السيد عباس علي الموسوي

52

شرح نهج البلاغة

فآلمه . . إنه يقبض على نار حامية كاد أن يحترق منها . . . إنها صرخة من نار الدنيا ينتقل الإمام منها إلى نار الآخرة ليقول لأخيه « ثكلتك الثواكل يا عقيل » فقدتك نساؤك وحزنت عليك . . دعاء عليه بالموت . . . تصرخ يا عقيل وتضج من هذه الحديدة البسيطة التي أحماها إنسانها للعبه لأن طريقة الإمام معه كانت أشبه باللعب بالنسبة إلى نار الآخرة وعذابها فإنه لم يرد أن يقتص منه وإنما أراد أن يلفت نظره وينبهه إلى خطر الآخرة ، فأنت يا عقيل تصرخ وتتأوه من هذه الحديدة التي هي أشبه باللعبة وتجرني إلى نار أو قدها جبارها الذي لا يقوى على غضبه أحد وهو اللّه تجرني إلى تلك النار الكبرى . . . أتأن وتتأوه من الأذى البسيط والألم الخفيف الذي أصابك من حديدة بسيطة وأنا لا أتأوه من نار جهنم وعذابها ، فإن كنت تتأذى وتصرخ من نار الدنيا فأنا أحق وأولى أن أصرخ من نار الآخرة . . . بهذه العظة البليغة يسدل الستار عن فصل رائع من فصول العدل العلوي لينتقل منه إلى فصل آخر . . . ( وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنئتها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها فقلت : أصلة أم زكاة أم صدقة فذلك محرم علينا أهل البيت ، فقال : لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية فقلت : هبلتك الهبول أعن دين اللّه أتيتني لتخدعني ا مختبط أنت أم ذو جنة أم تهجر ) وهذا حدث آخر أهم وأعظم من قصة عقيل وحدثه . . . إنه فصل آخر بشع وقبيح يتندى له جبين الحياء . . إنه فصل من فصول الاحتيال وزيادة قبحه يتجسد في كونه عن طريق الدين . . . إنه عن طريق الدين يريد الاحتيال لاستمالة قلب الحاكم وعن هذا الطريق يستطيع الوصول إلى مراده وإدراك ما يؤمل . . . لئن جاء عقيل إلينا يطلب استماحتنا صاعا من البر إنما جاء للرحم الذي بيننا ولحاجته الشديدة ولأن له الحق في بيت مال المسلمين أما هذا الرجل وهو الأشعث بن قيس إنما جاء يحتال على الدنيا باسم الدين وهذا أمر أشد عجبا من الأول فعند الأول شبهة حق وأما عند الثاني فلا شبهة أبدا إنه يريد أن يرشي الحاكم ليأخذ منه ما يريد . . . هذه هي قصة الأشعث بن قيس مع الإمام . . . فالأشعث رجل منحرف عن الإمام لا يحبه بل يكّن له البغضاء ويحقد عليه ولكن بما أن الإمام هو الحاكم والمتولي للأمر أراد أن يستميله فصنع توعا من الحلواء وتأنق فيه وجاء به إلى الإمام يقدمّه إليه هدية . . . عرف الإمام باطن الأشعث وعرف داخله . . عرف أن هذه الهدية ليست للهّ ولا من أجل اللّه وإنما أراد الأشعث أن يتوصل بها إلى الدنيا .