السيد عباس علي الموسوي

50

شرح نهج البلاغة

يقسم أن وجوده على هذه الحالة أحب إليه من أن يلقى اللّه ورسوله يوم القيامة ولأحد من الناس مظلمة عنده أو يكون غاصبا شيئا من فتات الدنيا وذلك لأن عذاب الدنيا مهما كان كبيرا فهو صغير بالنسبة إلى عذاب الآخرة . ثم بيّن سبب بعده عن الظلم ونفرته منه وقد استفهم مستنكرا ذلك ومبعّدا له عن نفسه . بأنه كيف يظلم أحدا من أجل نفسه وهذه النفس لها حالتان كل حالة منهما تستدعي رفض الظلم وتمنع العاقل من ارتكابه . الأولى : إن هذه النفس سترجع من رحلتها في الدنيا إلى الفناء ومن كانت هذه آخرته وجب عليه أن يرفض الظلم من أجل نفسه التي تفنى . الثانية : إن هذه النفس بعد موتها سيطول بقاؤها في القبر إلى يوم القيامة وهي مدة لا يعلمها إلا اللّه ومن كان بقاؤه في القبر طويلا يجب أن يرفض الظلم لئلا يتحول قبره إلى حفرة من حفر النيران جراء هذا الظلم القاتل . . . ( واللّه لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا ورأيت صبيانه شعت الشعور غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم وعاودني مؤكدا وكرر عليّ القول مرددا فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني واتبع قياده مفارقا طريقتي ) صورة عظيمة وحادثة رهيبة ينقلها الإمام مع أعز أهله عليه . . . لا أظن أن في التاريخ رجلا ثانيا قدمته البشرية يشبه أمير المؤمنين أو يماثله . . إنه يقسم باللهّ وهو الصادق البار الأمين إنه رأى أخاه وابن أمه . . رأى أخاه عقيلا وقد افتقر حتى بلغ به الفقر أن مدّ يده إلى الإمام يستعطيه ويطلب منه صاعا من قمح المسلمين يسد به جوعه وجوع عياله . . . يحكي الإمام ما يرى من فقر أولاد أخيه وما يعانونه من الحاجة . . . إنهم صبية قد اضناهم الجوع فغيّر ملامحهم الأصيلة فعلامات الفقر بادية عليهم ظاهرة في وجوههم وشعورهم ، تقرءوها بمجرد أن تراهم فشعورهم مبعثرة قد تلبدت على عادة من أصابهم الفقر ووجوههم شاحبة من الجوع كأنها صبغت بالسواد فتغيرت سحنتها وطبيعتها . لقد القى عقيل حاجته بين يدي أخيه ورأى الإمام واقع حاله وما يعيشه صبيته الصغار وعاد عقيل من جديد يطلب حاجته وكرر طلبه مرددا ما يريد فأصغى إليه الإمام ، وأعطاه إذنه فظن صاحب الحاجة أن عليا يبيعه دينه وينقاد لمراده ويطيعه فيما طلب