السيد عباس علي الموسوي

476

شرح نهج البلاغة

وتوسيعها وتكبيرها عما هي عليه لم تنفع صاحبها المقيم فيها شيئا بل الحجر والمدر سيضغط عليه وسيسد التراب كل ثغرة أو نافذة فيها . . . سينقطع عنها الهواء وتضيق على ساكنها مهما أو سعتها يدا حافرها . . . وإذا كانت هذه النهاية لا بد منها وهذا القبر لا بد منه فما ذا يعمل علي إنه يريد أن يبيّن لنا طريقته في إسعاد نفسه . . . إنه يريد بعزوفه عن الدنيا وتقشفه أن يروض نفسه بالتقوى أي يحملها عليها ويعودها منهاجها حتى تأتي يوم القيامة يوم الحساب والعقاب والفزع آمنة مطمئنة وتستقر أقدامها في الأماكن التي تزل فيها أقدام العصاة وأهل التمرد والنفاق . . . ( ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع - أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى أو أكون كما قال القائل : وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحن إلى القد ) بين عليه السلام أن زهده في الطيبات لم يكن عن حاجة وفقر أو عجز عن تحصيلها بل لو أراد ذلك لاهتدى إليه ولوقع كل ذلك تحت يديه . . . لو أراد لوصل إلى الطريق الموصل إلى العسل المصفى ولباب القمح وأحسن منسوجات الحرير وأنعمها لوصل ولكنه عليه السلام مع معرفته بكل الطرق الموصلة إلى ذلك وكل الأسباب المؤدية إلى هذه الأمور إنه لم ولن يترك لهواه أن يقوده ويدفعه إلى أن يختار شيئا من هذه الأطعمة . . . كيف يتخير الطعام الطيب وهو يفكر في أقاصي ما يحكمه من البلاد . . . يفكر في الحجاز واليمامة وغيرهما فلعل أحدا من سكانهما وسكان غيرهما لا ينال رغيف الخبز ولم يشبع منذ زمن طويل . . . إنه نهج فريد في تاريخ الحكام . . . نهج علي الذي يعيش في الدنيا مع كل فرد من أفراد الأمة . . . إنه يفكر في أولئك الناس الذين ربما لم يشبعوا ولم يحصلوا على رغيف يسدوا به جوعتهم . . . فهل يتعلم الحكام منه دروس العفة والحفاظ على شعوبها . . . إنه الطمع والجشع - الذي ينفيه الإمام عن نفسه - هو الذي يقود الحكام إلى أن يعيشوا الترف والبذخ والإسراف دون أن يفكروا في شعوبهم ومن يحكمونهم . . . فليمت كل الشعب وليبقى الحاكم على ملذاته وشهواته . . . ثم ينفي عن نفسه أن يأكل فيمتلئ وفي المقابل أن يكون هناك بطون جياع وأكباد عطشى تشتاق وترغب بالقليل القليل .