السيد عباس علي الموسوي

42

شرح نهج البلاغة

المرخى عليه ولم تهتكه بما فعل أو ارتكب . . . بل إنك يا رب تمده بالعطاء بحيث أنك لو قطعت مددك عنه لم يبق في هذا الوجود . . . لو إنك سبحانك تخليت عنه طرفة عين لسقط وهوى وانعدم من هذا الوجود بل إن لطف اللّه في كل لحظة ويتجسد هذا اللطف في نعمة يحدثها ويجددها لهذا الإنسان من مال وأولاد وجاه وسلطان كما أن هذا اللطف يحدث في كل سيئة يرتكبها هذا الإنسان فلا يفضحه بها ولا يكشف ستره عنها ولا يهتكه أمام الناس بل يسترها عليه وينبهه إلى وجوب التوبة رحمة به ورعاية له . وكذلك من وجوه هذا اللطف إنه سبحانه يصرف عنه المصائب والبلايا والمحن . وفي دعاء الافتتاح « فكم يا إلهي من كربة قد فرجتها وهموم قد كشفتها وعثرة قد أقلتها وحلقة بلاء قد فككتها » وإذا كانت هذه هي حالة اللّه مع هذا الإنسان العاصي المتمرد يعطيه ويفيض عليه ويدفع عنه البلايا والمصائب فكيف حال العبد المطيع له الملتزم بأمره السائر على خطه إنه بدون شك يصبح يده التي يبطش بها وعينه التي يرى بها على حد تعبير ما ورد في بعض الأحاديث . . . ( وأيم اللّه لو أن هذه الصفة كانت في متفقين في القوة متوازيين في القدرة لكنت أول حاكم على نفسك بذميم الأخلاق ومساوى ء الأعمال ) وهذا أسلوب رائع في جذب الناس إلى الحق والعمل به ودفعهم نحو الفضيلة فأقسم لو أن هذا الموقف كان بين متقابلين متساويين في القوة - من اقبال اللّه على العبد وهروب العبد منه وتوليه عنه - والقدرة ثم يحصل هذا المشهد وتكون هذه الصورة لكان هذا الإنسان هو الذي يدين نفسه ويحكم عليها بقبائح الأخلاق وسيئات الأعمال فإن هذه المقابلة قبيحة أخلاقيا وعمليا فإن منطق الأخلاق يحكم بوجوب المقابلة « فما جزاء الإحسان إلا الإحسان » ومن أقبل عليك أن تقبل عليه ومن اقترب منك شبرا أن تقترب منه ذراعا والمنطق العملي يحكم أيضا بعدم الاختلاف لأن البناء والعمران والحضارة لا يكون إلا بالتعاون والاجتماع واللقاء ولا يكون بالتنافر والعداوة والهجر والبغضاء . ( وحقا أقول ما الدنيا غرتك ولكن بها اغتررت ) هذا تصحيح لما يدعيه الناس عن سؤال : ما غرّك بربك الكريم فيقولون غرتنا الدنيا وزخارفها وما فيها فأراد عليه السلام أن يصحح الجواب ويرد أصحابه عن الخطأ بأن الدنيا لا تملك أن تغرك وليس بمقدورها ذلك ولكنك أنت الذي اغتررت بها وأقدمت عليها ورحت تتسابق على حطامها . . . الدنيا مادة عمياء صماء لا تملك القدرة على اغرائك وإغوائك وأنت وحدك العاقل المفكر الواعي الضعيف . . . أنت اغتررت بالدنيا وسقطت على فتاتها تلتقط ما يقع فيها . . .