السيد عباس علي الموسوي

397

شرح نهج البلاغة

تحركهم ألف موعظة ولا تستشير مشاعرهم مدافع المواعظ وصواريخها لأن حسهم الداخلي قد مات وشعورهم قد تبلد بحيث فقدت الكلمات مدلولها والمواعظ وقعها ولم يبق أمامهم إلا أن تهز العصي ويرتفع السوط تأديبا . قديما قال الشاعر : العبد يقرع بالعصا * والحر تكفيه الملامة وقال المتنبي مبينا صفة العبيد : لا تشتر العبد إلا والعصا معه * إن العبيد لأنجاس مناكيد الثاني : قوله عليه السلام : اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين . إنها دعوة للتحلي بالصبر وحسن اليقين باللهّ كي يقضي على كل هم يشغل فكر هذا العبد الضعيف ويربكه عن المسير ، فإن الدنيا لم تكن تصفو لأحد فما من هم يزول حتى تحل محله هموم ولا يستطيع الفرد أن يتغلب عليها إلا بالصبر الذي يتمتع به الإنسان ويقوده إلى النصر والفتح . . . الثالث : قوله عليه السلام : من ترك القصد جار ، والصاحب مناسب ، والصديق من صدق غيبه . الطريق الوسط هو خير الطرق وأسلمها ، والاعتدال في كل الأمور محبوب ومرغوب وهو الصواب والموافق للحكمة والعدل ، فإن الشجاعة هي الحد الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وهما الجبن والتهور ، والكرم هو الحد الوسط بين الإسراف والتقتير ، والإسلام هو الوسط والعدل ، وأما اليمين والشمال فهما المضلة وهكذا دواليك ، ومن ترك طريق العدل والإنصاف فلا إشكال أنه سيجور لأن الجبن جور كما أن التهور جور وقديما قيل : حب التناهي شطط * خير الأمور الوسط وأما الصاحب فهو الذي يتحول من إنسان بعيد عنك وغريب عنك إلى إنسان يرتبط بك بعلاقة تكاد تصبح نسبية ، بل إن النسيب قد لا يصل الأمر بينك وبينه أن تفتح صفحاتك أمامه إما حياء وخجلا أو خوفا وفزعا أو لأمر آخر ، بينما كل ذلك ينكشف أمام الصديق ، فالأسرار تستباح والخفايا تظهر ، ولم يعد أمام الصديق أي ستر أو غطاء ، وإذا أضحى الصديق بهذا المستوى من العلاقة وتحول إلى قريب روحيا وفكريا وانسجاما ، فيجب أن تحفظه كما تحفظ الأنسباء وترعاه كما ترعاهم وتدفع عنه كما تدفع عنهم ، وقد بينا في فصل سابق حق الصديق ولزوم مراعاة الصداقة والحفاظ عليها . . .