السيد عباس علي الموسوي
388
شرح نهج البلاغة
من أحبّ السبيل إلى اللّه عز وجل جرعتان : جرعة غيظ تردّها بحلم وجرعة مصيبة تردها بصبر . - قال أبو عبد الله عليه السلام : ما من جرعة يتجرعها العبد أحبّ إلى اللّه عز وجل من جرعة غيظ يتجرعها عند ترددها في قلبه ، إما بصبر وإما بحلم . الثالث : قوله عليه السلام : ولن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك . إن اللّه سبحانه وتعالى مدح نبيه وبين له فضيلة لينه وعطفه وحنانه فقال تعالى : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . . . . فكما أن الغلظة والخشونة تنفر الناس وتفرقهم فإن اللين والعطف والحب يجمعهم . . . إذا كنت مع أصدقائك غليظا حركت نفوسهم عليك وأثرتها نحوك فإن النفوس إذا كانت لينة تتحبب إلى الناس وتقترب منهم لأن اللين نوع من الإحسان والنفوس مطبوعة على حب من أحسن إليها ، وهذا عكس الغلظة والجفاء ، فإنه منفر للمرء مبعد له عن اخوانه وأصدقائه . فمن غالظك في حديث أو نظرة أو نحوها فلن معه وتحبب إليه تجده عما قريب يعود إليك ويقابلك بأفعالك خيرا ويجازيك بإحسانك إحسانا . . . الرابع : قوله عليه السلام : وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحلى الظفرين . الظفرين أحدهما الغلبة على العدو والانتصار عليه في ساحة الجهاد ، والآخر أن تأخذ عليه بالفضل من الإحسان والإكرام حتى تسكته بل تجعله لسانا ينطلق في مدحك وتقريظك وهذا الأخير من الظفرين أهم من الأول وأحلى وأثمن وأجمل . . . فإن في الأول تقضي عليه ماديا وتنتصر عليه عسكريا بقوة زندك وسلاحك الذي يشترك فيه أي حيوان يكون أقوى منك بينما في الآخر يتمثل الانتصار الفكري والغلبة العلمية حيث تحوله بهذا الإحسان والفضل إلى لسان ينطق بحمدك ويذكر فضلك وإحسانك ، في الأول تجده يتململ لينقّض عليك لأنه لم يذعن لك إلا تحت وطأة الغلبة بينما في الآخر يذعن لك من الداخل ويشعر أنك بإحسانك متفضل عليه محسن إليه . الخامس : قوله عليه السلام : وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية ترجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما . جاءت كلمة الإمام هنا تعليما سماويا لهذا الإنسان الذي تنزع نفسه إلى الشر ويريد أن يسلك مع أخيه خلاف المرسوم له شرعا . يريد الإمام أن يقول لهذا الإنسان : إن أخاك ليس عاريا عن كل فضيلة ولا مسلوب الحسنات كلها بل لا يخلون أن يكون فيه بعض