السيد عباس علي الموسوي
370
شرح نهج البلاغة
هذه الأمة أن يوحّدوا صفوف المسلمين ويجمعوهم تحت راية التوحيد ، ومع كل تلك الجهود لم يفلحوا ولم ينجحوا ، لأن تحركهم ونشاطهم المحدود كان يقابله نشاط وجهاد كل القوى المستعمرة والمستكبرة لزرع الفتنة وتأجيج روح العداوة بين المسلم وأخيه المسلم ، وعاونهم على ذلك المتعصبون من المذاهب والطوائف وأصحاب الامتيازات الذين لا يظهر لهم صوت ولا ترتفع لهم كلمة إلا ضمن الحزازات الطائفية والمشاكل المذهبية . لقد كانت صيحة أولئك العظماء في جانب ومسيرة الشعب ومن تولى قيادته زورا وبهتانا في جانب آخر . . . فكانت العقبات أشد وأقوى من أن يتخطاها رجال محددون بحدود ضئيلة وقليلة ، وقدرات صغيرة غير مؤثرة . ولكن فشل هؤلاء العظماء في تحقيق مرادهم والوصول إلى مطلوبهم لا يستدعي منهم وبالتالي منا أن نكف عن محاولة الجمع والسعي في سبيل توحيد هذه الأمة ورفع كلمتها ، فإن المسلمين يشكلون أعظم قوة وأكبرها لو اتحدوا واجتمعت صفوفهم . إنهم القوة الأكثر فعالية وحركة وقدرة لو اجتمعوا على كلمة واحدة . وكما الأمر في الأعمال فقد يكون في الخصال والصفات ، فإنك قد تطلب الرياسة والزعامة التي تتصور أنك من خلالها تحقق العدالة وتبسط سلطان الدين والحق في المجتمع ولا توفق في ذلك إلى النجاح ، فلا يجوز لك التقاعس والكسل ولا يجوز لك أن تسترسل أو تستسلم لفشلك بل يجب أن تبقى في حركة وسعي دائمين حتى تحقق مطلوبك أو تعجز عجزا نهائيا ودائميا عن ذلك . فالإمام يريد أن يوضح هذه الفكرة . . . وهي فكرة أن كل من يطلب شيئا قد لا يتحقق هذا الشيء ، ولكن عدم تحقيقه لا يجوز أن يكون من دواعيه الخمول والكسل والقعود عن الاستمرار في السعي والطلب . وكذلك بنفس المفاد قوله : « وليس كل غائب يئوب » ، فرب غائب عن العيون قد لا تراه أبدا لأنه لن يعود ، قد يطويه الموت أو يسجنه الظالمون في غياهب المطامير والزنازين . . . فرب مجاهد قرر أن يعمل عملية فدائية في سبيل اللّه لضرب المجرمين اليهود أو الصليبيين ثم قبض عليه وأودع السجن فحالت بينه وبين أحبابه قضبان السجن وجدران تلك الزنزانة المنفردة . . . ولكن هذا الاغتراب وهذا التغييب وعدم العودة لا يجوز أن يكون مانعا لنا عن الحركة وعن الاغتراب وعن المهاجرة في سبيل اللّه وفي سبيل المستضعفين . . . إن غياب وجه قد لا يعود وفقدان حبيب قد لا يئوب يكون من أشرف الأمور وأجلّها إذا كانت رحلته وغيبته في سبيل اللّه وفي سبيل الحق والعدل . . . فليس المهم أن تفقد وجها بل المهم أن تكمل مسيرة ذلك الوجه وتسير على نفس