السيد عباس علي الموسوي
362
شرح نهج البلاغة
يجوز استعماله لأنه يفقد مفعوله وخواصه وربما تحول إلى ضرر يودي بحياة المريض ويتلف أعصابه وعصارة وجوده كذلك إذا كانت الموعظة لم تخرج من طبيب متفاعل مع المريض ولم يشخّص مرضه فإنها تفقد معناها ويقف المريض أمام الواعظ السخيف ليقول له مع الشاعر : يا واعظ الناس قد أصبحت متهما * إن كنت تأتي أمورا أنت تنهاها وكذلك إذا كانت النصيحة والموعظة على أسلوب وطريقة قديمة لم تتمش مع الزمن ولم تأخذ بعين الاعتبار التطور البشري والحياتي لهذا الإنسان فإن هذه الموعظة التي تلبس ثوب القديم دون أن تقدم بثوب جديد وأسلوب جديد يتمشى وروح العصر تفقد الموعظة مادتها وروحها مثل هذه الموعظة لا تجد أذنا صاغية كما لا تجد روحا متأثرة متعظة . . . وكذلك في عالم النظم فإن من أنكر الرأسمالية الظالمة التي استبد من خلالها الغني بالفقير وصاحب النفوذ والامتياز بفاقدها ، وتقدم الاستعمار يزحف على العباد والبلاد يحتل ويستعمر ويفتك ويقتل ويستعبد ، إن من يرى جرائم الاستكبار الغربي بما فيه من انحراف فكري والتصاق بالمادة وإنكار وتنكر لكل حق وعدل وصدق وتجاهل لكل حقوق الضعفاء . . . من يرى ذلك لا يجوز له أن يعالج هذا الداء بدواء الشيوعية الحمراء ، فإنه وباء أيضا ، ولا يجوز الفرار من الرمضاء إلى النار ولا من الخطر إلى الأخطر . . . فإن هذا المسكين الصغير ، الضعيف العقل والجسم تخيّل أن شفاءه لا يكون إلا بالشيوعية ، لقد تخيّل أنها الدواء الذي يقضي على مخاطر الرأسمالية ويجتث أصولها من الأعماق ، ولكنه وقع في داء أشد وأصعب ، وقع في استعمار متطور ومهذب يأتي بثوب الناصح الشفوق ، إنه يأتي مع شعارات براقة ترتاح لها النفس وتتشوق إلى لقياها القلوب ، ولكنها كالحية ملمسها ناعم وتخفي في جوفها السم الناقع . . . إن العدول من الرأسمالية إلى الشيوعية عدول من خطر إلى خطر إن لم نقل أنه إلى الأخطر . . . إن الدواء يجب أن يتلاءم مع المرض كما يجب أن لا يترك وراءه من الخلفيات والآثار ما يضر ويفتك بالجسم من جهة أخرى فيكون دواء لهذا المرض ولكنه يترك داء خبيثا أصعب من الأول من جهة أخرى . . . نعم ربما كان الدواء داء وكذلك قد تنعكس القضية ويتحول الداء إلى دواء فرب مرض مستحكم فيك قد أخذ منك مأخذه وامتدت جذوره حتى زلزلت استقرارك وراحتك فإذا بمرض آخر لا يؤذيك أذى شديدا فتحاول علاج الخفيف فيكون شفاء للقوي والشديد ، فالداء البسيط كان دواء للمرض القوي الشديد ، ورب خطيئة أدبت عليها حفظت حياتك وصححت مسارك على امتداد