السيد عباس علي الموسوي
352
شرح نهج البلاغة
الناس والمقصود من حفظه أن يعمل فيه بما أمر اللّه فلا إسراف ولا تبذير ، ولا ما يجعله عالة على الناس بحيث يضطر إلى مدّ يده استجداء وصدقة ، فإن العاقل يحافظ على ما عنده فينفق على الوجه الصحيح ويقدم على الوجه اللائق ويتصرف طبق الموازين الشرعية التي تحقق العدالة وترفع الحيف وتقضي على الفقر والفاقة . ثم إنه عليه السلام يضع بين أيدينا مقولة مثالية يريد منا أن ننتهجها في حياتنا ونحرك خطانا نحوها ونعمل بمضمونها وهي أن نيأس مما في أيدي الناس ، وهذا اليأس مهما كان مرا فهو كالشهد بالنسبة إلى الطلب من الناس ومد اليد إليهم والظهور أمامهم بمظهر الحاجة والمسكنة . . . نعم إن الظهور أمام الأغنياء بمظهر الغنى أشرف بألف مرة من الظهور بمظهر الفقر والحاجة لأنهم أناس فقدوا الموازين الصحيحة السليمة التي توزن بها الأمور وتقاس بها الحقائق وأخذوا يقيسون الرجال بما عندهم من الأموال والأثاث والأرصدة والسندات . . . لقد انطمست المعالم التي تقودهم إلى الرؤيا الصحيحة وانغمسوا في الماديات بحيث تحول عندهم كل شيء إلى مادة ومال ، منه يأخذون الكرامة . . . ومنه يأخذون العزة ، ومنه يأخذون الفخر ، وعلى قدره يكبر قدرهم وجاههم وكرامتهم واحترامهم . وقد سار بعض العلماء الذين غرّتهم الدنيا خلف هذه المقاييس الباطلة فأخذوا يكرمون بعض الناس مع فسقهم وانحرافهم لأنهم أغنياء يبشون لهم ويضحكون في وجوههم وينشرحون أمامهم ويقبلون عليهم ، وأما إذا جاءهم مؤمن فقير فلا يلتفتون إليه إلا شذرا بوجه عبوس وحواجب مقطبة وغضب شديد ناسين أو متناسين موازين الإسلام وأحكامه . . . ( والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور ، والمرء أحفظ لسره . ورب ساع فيما يضره ، من أكثر أهجر ومن تفكر أبصر . قارن أهل الخير تكن منهم وباين أهل الشر تبن عنهم ) في هذا الفصل من الوصية أمور خمسة : الأول : يكشف الإمام عن حقيقة لا يقبلها الكثير من الناس ، بل يعملون خلافها وضدها ، ففي حين يذهب علي عليه السلام مع الشرفاء وأصحاب المباديء الرفيعة إلى أن العفة والصبر على الحرمان أفضل من اكتساب المال والغنى مع الفجور والانحلال يذهب غيره من أبناء الدنيا وأصحاب الأهواء والشهوات إلى عكس ذلك حيث يستحلون كل حرام ويدخلون في كل باطل ويبيعون كل ضمير وكرامة من أجل المال والغنى . إن عصرنا الذي نقيم فيه من أقبح عصور التاريخ وأسوأها على الإطلاق من هذه الناحية ، إنك ترى بيوت الدعارة شاهرة راياتها من أجل المال ، إنك ترى حانات الخمر واللهو في كل شارع من أجل المال ، إنك ترى الرشوة والكذب من أجل المال كيف نظرت وأنى