السيد عباس علي الموسوي

333

شرح نهج البلاغة

عمره . التوبة عودة إلى رحاب اللّه الواسعة ، إلى الطاعات والأعمال الصالحة . . . إلى كنف جبار السماوات والأرض ، إلى القوة المطلقة المهيمنة على الكون والوجود ، إلى مصدر النعم ومفيضها على الكائنات بأسرها . . . بين التوبة الإسلامية والاعتراف المسيحي : بين التوبة والاعتراف المسيحي فارق جوهري ، ففي حين أن التوبة رجوع إلى اللّه واستغفار منه ، وهو الذي عصي نجد أن الرجل في المسيحية يقف أمام القس ليعترف بكل جرائمه وانحرافاته ظنا منه أن هذا الاعتراف يمحو عنه السيئات ويكفر الخطيئات ، والإسلام يرى حرمة الحديث أمام الناس في المعصية التي اقترفها الفرد ، لأنه يعترف لإنسان خطاء مثله يحتاج هو إلى الاعتراف ، مضافا إلى أن هذا الشخص المعترف أمامه من هو الذي وكلّه عن اللّه حتى يعترف أمامه وقد يكون أسوأ حالا من صاحب الاعتراف . ففي حين يقف المسلم أمام اللّه الذي عصاه وقفة عودة إليه ورجوع إلى رحابه ، يناجيه بلسانه ويتوجه إليه بقلبه دون واسطة ولا شفيع ، يقف المسيحي أمام إنسان مثله ليفضح نفسه ويهتك ستره ويظهر معايبه دون أن يملك الوسيط حق الشفاعة أو المغفرة . الاعتراف في المسيحية مبني على الطبقية وأن هناك طبقة الكهنة تمتلك حق المغفرة للذنب وبيدها الحل والعقد دون سائر الناس . وهذا خلاف النظرة الإسلامية التي ترفض مصطلح رجال الدين ، كما ترفض احتكار إقامة الشعائر الدينية ضمن طبقة معيّنة تمتاز عن غيرها ، إذ يرى الإسلام أن المسلمين كلهم مكلفون بمعرفة دينهم يؤمّهم في صلاتهم العدل منهم ويعقد لهم عقد النكاح أي إنسان يعرف أداء صيغته كما يحلّ هذا العقد بالطلاق كل من كان عدلا وقد توفرت شروط الطلاق ، وهكذا سائر التكاليف يشترك فيها المسلمون كلهم دون ميزة لأحد منهم على الآخرين إلا بالعلم والتقوى . . . الاعتراف في المسيحية تكريس لسلطة رجال الدين الذين مارسوا الظلم خلال العصور المظلمة من التاريخ حيث تحالفوا مع الملك الظالم والإقطاعي الفاسد في قهر الشعب الأعزل واستعباده . وقد كان لقضية صكوك الغفران والنكتة التي يعبر عنها شراؤها أسوأ الأثر على الدين واللّه ، وألحق الضرر بكل الأديان ورسالات السماء . ولولا هذه الطبقية لرجال الدين المسيحي والممارسات الحمقاء التي استغلوا فيها الدين من أجل صيد الدنيا لما كان للشيوعية أثر أو خبر ، ولكن ردة الفعل على تجاوزات رجال الدين المسيحي جاءت ماركسية تحارب الدين وتعاديه وتنبذه بكل عيب وضلال .