السيد عباس علي الموسوي
320
شرح نهج البلاغة
يتلذذون به ويتنعمون بصرفه في وجوه قد تكون محللة وقد تكون محرمة . . . لمن يوصي به إنه يوصي به إلى أحد رجلين : رجل فاجر يصرفه في معصية اللّه فيكون قد أعانه بماله على الانحراف والمعصية ، أو إلى رجل بر تقي يزداد فيه خيرا فيكون قد حرم هو من أجره وأكسب غيره ذلك الأجر . والعاقل يسعى من أجل نفسه وخلاصها ونجاتها من النار ، أولا وبالذات . . . والعاقل هو الذي لا يدع الوراث يتحكمون بأمواله وأرزاقه ، وكذلك لا يدع للأيام أن تفتك بها أو تصرفها عنه إلى غيره . . . بل هو الذي يحدد وجه الصرف والنفقة في حياته قبل وفاته وقبل أن يقع في أيدي غيره . ومما يثير العجب ذهاب بعض الناس إلى تجميد ما لديهم من أموال وخيرات يحبسون أنفسهم عن تناولها ويمنعون الفقراء حقهم منها ثم يقومون بالوصية ببعض المصاريف والمبرات ، أو يوصون بإخراج الحقوق منها وما وجب عليهم . . . وهل هناك أشقى من إنسان يستطيع أن ينفذ في حياته كل ما يريد فيعدل عنه إلى الإيصاء به . إن الإيصاء بالمال بعد الممات طريق الفقراء في عقولهم وخطة الضعفاء في تفكيرهم . . . ورحم اللّه الشريف الرضي حيث يقول : يا آمن الأقدار بادر صرفها * واعلم بأن الطالبين حثاث خذ من تراثك ما استطعت * فإنما شركاؤك الأيام والورّاث لم يقض حق المال إلا معشر * وجدوا الزمان يعيث فيه فعاثوا ( واعلم أن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ومشقة شديدة وأنه لا غنى لك فيه عن حسن الارتياد . وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر ، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك ، فيكون ثقل ذلك وبالا عليك . وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمله إياه وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه ، فلعلك تطلبه فلا تجده . واغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك ) الطريق إلى الجنة بعيدة وشاقة . وهل هناك أبعد من الجنة إنها بعيدة . . . وبعيدة جدا لمن يعصي اللّه في نظره وفي سمعه وفي حركته وفي سكونه ، وفي منطقه وفي يده . . . إنه لا يكاد يرتفع عن معصية حتى يقع في أخرى ، ولا يكاد يخلص من إثم حتى يرتكب غيره . إنه الإنسان الذي يعرف من يعصي ويعرف من يخالف ويعاند ولكنه مع ذلك دائم الإصرار على الذنب وباستمرار يقترفه . . .