السيد عباس علي الموسوي

315

شرح نهج البلاغة

المجاهد الذي ظفر بعد تعب شديد بمناله ومطلوبه . . . وتلك أمنيتي التي أعض عليها بالنواجذ وأوصي بها أبنائي . . . إنني أقول لأبنائي - علي وصادق ورضا وحسين وأخواتهم - : يا أبنائي كونوا مع اللّه وفي خطه . . . سيروا خلف الأنبياء . . . وعلى خطاهم ، إن جدّكم رسول اللّه فخر الكائنات ، قد شق لكم طريق السعادة وبيّنها لكم فما عليكم إلا سلوكها ، لا تتكاسلوا ، وتتهاونوا ، ولا تسوّفوا ، ولا تعصوا اللّه في ما بلغّه جدكم عنه ، واعلموا يا أبنائي ، إن أردتم عز الدنيا والآخرة ، فعليكم بالدين ، اعملوا بأوامره واجتنبوا نواهيه ولا تتمردوا على أحكامه وسلطانه ، اعلموا يا أبنائي أن قرة عيني أن أراكم على طاعة اللّه وفي خدمة عباد اللّه تخففون الام الناس وتأخذون بأيديهم إلى رضا اللّه ، تهدونهم إلى شريعة جدكم فإن فيها الفلاح والفوز والنجاح . إن أحب ما أبتغيه لأولادي أن يتفرغوا لطلب العلم الديني فإن فيه متابعة للأنبياء وإكمالا لمسيرتهم المباركة الطاهرة ، فإن العلماء ورثة الأنبياء وكيف لا أحب لفلذة كبدي هذا المقام الرفيع الذي يقصر عنه كل مقام آخر في الدنيا . . . فإنني يا أبنائي أشعر في قرارة نفسي ، وكما هي قناعاتي - واللّه على ما أقول شهيد - أنّ هذا المقام أجلّ مقام في نظري لأنه منصب الرسل والأنبياء ، وهم المبلغون عن اللّه ، والأمر بأيديهم ، وكل من تقدم عليهم هلك كما أن كل من تابعهم سعد . يا أبنائي لا تغرنكم الدنيا وما فيها من نعيم ولا تأخذكم زخارفها وزينتها ، فإنه ستزول وتنقضي ولا يبقى إلا العمل الصالح . فالدنيا إذا طلب بها الآخرة فهي دنيا محبوبة يطلبها اللّه ويرضاها لأنصاره فيجب أن تتحول كل دنيانا إلى الآخرة ، حياتنا ، أكلنا ، شربنا ، قيامنا ، قعودنا ، حركاتنا ، سكناتنا ، لذتنا ، ألمنا ، يجب أن يتحول كل شيء عندنا إلى اللّه ، وقضية تحويله إلى اللّه قضية سهلة ميسورة وهي أن يتوجه إليه تعالى وينوى التقرب منه ويطلب بالعمل الدار الآخرة . . . ليس المطلوب منك إلا أن تغير نيتك وتقصد به وجه اللّه وتؤدي ما وجب عليك منه وتحوله إلى عمل نافع يخدم الإنسان ويخفف آلامه ومصائبه . . . وباعتبار أن الناس يتمسكون بالدنيا ويرضعون من أثدائها ويعيشون في كنفها وتحت ظلالها ، باعتبار قربها منهم وأنها تحت أيديهم ، نجد تعلقهم بها وإخلادهم إليها ، باعتبار تعلقهم الشديد بها وركونهم إليها نجد أحاديث الذم والتشبيهات القاسية لها كثيرة وشديدة . وإذا كانت ردة الفعل يجب أن تكون بمقدار الفعل فيجب أن يكون التحذير منها ومن أفعالها بمقدار تعلق الإنسان بها . . . ومن هنا شبهه الإمام من خبر الدنيا وجربها بقوم سافروا من منزل جديب إلى منزل خصيب فإنهم يتجاوزون كل ما يمر عليهم من عقبات في الطريق من أجل الوصول إلى الهدف . . . إن كل الصعوبات التي