السيد عباس علي الموسوي

30

شرح نهج البلاغة

وتتبدد الظلمات . . . إنهم يزيفون الباطل ويبعّدون الناس عنه ويرشدونهم إلى مواضع الخطر كما أنهم يأخذون بأيديهم إلى الحق والعمل به . . . ( وإن للذكر لأهلا أخذوه من الدّنيا بدلا فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه يقطعون به أيام الحياة ويهتفون بالزواجر عن محارم اللّه في أسماع الغافلين ويأمرون بالقسط ويأتمرون به وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ) للذكر أهل انفردوا به دون الناس . . . إنهم ذاقوا طعمه ووقفوا على شهده . . . عرفوا سره ولذة ما فيه فأخذوه بكل قوة واستبدلوه بملذات الدنيا وما فيها . . . هجروا طيبات هذه الدنيا الفانية وأخذوا الذكر كنزا لهم فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه فلشدة حبهم للذكر ومداومتهم عليه وتعلقهم به ملك عليهم كل جوارحهم فأنساهم الدنيا وما فيها . . . إنهم معه باستمرار يشغلهم في أوقاتهم كلها في الليل والنهار . . . إنهم دعاة خير ورسل بركة تراهم مع الغافلين في معركة حيث تراهم يقومون بنهيهم عما حرم اللّه ودائما يزجرونهم عنها ويكفون أيديهم عن تناولها . . . إنهم أدوات تنبيه لهؤلاء الغافلين عن الحرام أن يرفعوا أيديهم عن الحرام ويتجنبوا كل معصية وانحراف . . . إنهم يأمرون الناس بالقسط وهو العدل في القول والعمل . . . يأمرونهم أن يكونوا كذلك وهم بأنفسهم يأتمرون به ليكون ذلك أقوى حجة وأعظم برهانا . وكذلك من خصائصهم أنهم ينهون الناس عن المنكر وهو كل معصية للهّ ويتناهون بأنفسهم عنه أي يكفون عنه ليكون أبلغ في التأثير . . . ( فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه وحققت القيامة عليهم عداتها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون ) هذا بيان لما عليه هؤلاء العباد الصالحون . . . إنهم قطعوا رحلة الحياة الدنيا ودخلوا الآخرة . . . إنهم وهم في دار الدنيا كأنهم قطعوها واجتازوها ودخلوا عالم الآخرة وشاهدوا ذلك العالم الأخروي بما يحمل من صور وما معه من مشاهد وما فيه من أحداث وقضايا . . . صورة لأهل الإيمان الذين تجردوا عن الدنيا وهم فيها وعرفوا أحوال الآخرة وهم في الدنيا . . . صورة الإنسان الذي عاش مع اللّه وأدرك حقيقة ما جاء به الأنبياء ووقف على سر الآخرة وما فيها . . . إن الحقيقة التي يعكسها هؤلاء الأولياء تتجسد في نقل الصورة الصحيحة عن الآخرة إلى الدنيا . . . إنهم بما أعطاهم اللّه من بصيرة نافذة فكأنما كشف لهم الغطاء عن الآخرة فرأوها