السيد عباس علي الموسوي

273

شرح نهج البلاغة

الضروريات من أجل الفقراء والمساكين وأهل العوز والمحتاجين . وفي هذا الأسلوب من الترفع عن الذات والإنكار للملذات ما يطامن من شهوة الإنسان بل يميت جمحات الأهواء وميولها الشريرة الخبيثة ، فإن من عاش مع الفقير واليتيم والمحتاج والمسكين ويشعر معهم بقلبه وضميره بادر إلى قهر الذات من أجلهم وإماتة الكثير من الشهوات في سبيل راحتهم وسعادتهم . . . وقوه باليقين : لأنه يجعل للإنسان قوة واطمئنانا ويخلق منه عضوا مستسلما للهّ في كل حركاته وسكناته ، يندفع نحو هدفه وهو على بصيرة من أمره دون شك أو تردد لأن من كان على شك أو تردد في عمل لم يفلح فيه ولم ينجح . . . ونوره بالحكمة : حيث تجعل فيه إشراقة يطلّ منها نور يضيء جوانب ظلمات القلب ، فإن الحكماء قوم عاشوا تجارب الحياة واستخلصوا أسرارها وقدموها للناس صافية من كل كدر ، فيحسن بمن وقف عليها أن يأخذها بجد ويعمل بها في يقين . وذلله بذكر الموت : الذي ما ذكره إنسان إلا وتغيرت أحواله ، فتبدل نعيمه إلى بؤس ، وفرحه إلى ترح ، ووجم بعد انشراح ، وعبس بعد ابتسام ، أو كما يقول الإمام في موقع آخر : « هازم اللذات ومنغص الشهوات وقاطع الأمنيات » . إن العاقل عندما يتمثل نفسه جنازة محمولة على أكتاف الرجال وقد انقطع عمله وسكت صوته وانطفأ نور عينيه ولم يعد يسمع وتعطلت جوارحه كلها عن الالتقاط والإرسال ، وضج الأهل والأقارب حوله يبكون وتمنوا تعجيل دفنه خوف انتشار رائحته وهتكه . . . إذا نظر الإنسان بعين البصيرة والعبرة إلى هذا المشهد المؤلم وإلى حفرة صغيرة سيحل فيها انخفض رأسه وذلت نفسه وعمل لذلك اليوم العظيم . وقرره بالفناء : الذي كتب على كل الناس فإنه إذا أقرّ بذلك حكم عليه بمقتضى إقراره من جهة ووجب أن يعمل لصالح نفسه من جهة أخرى كي يرتفع في عالم الآخرة ويلتقي مع النبيين والصديقين والشهداء . . . وبصرّه فجائع الدنيا : التي لم تكن لتدوم على حال ولا تستقر على منوال ، بل كما قال سيد الأوصياء علي : « أو لستم ترون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتى : فميت يبكى وآخر يعزى وصريع مبتلى وعائد يعود وآخر بنفسه يجود وطالب للدنيا والموت يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه » . . . تلك هي الدنيا ممتلئة بالفجائع والمصائب ، فمن حروب تدمر البشرية وتقضي على الحرث والنسل ومن أمراض فتاكة تأتي على الأخوة والأحبة ، ومن لم يصب بأذى