السيد عباس علي الموسوي

254

شرح نهج البلاغة

مدركه ، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيّئة ، قد كنت تحدّث نفسك منها بالتّوبة ، فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك . ذكر الموت يا بنيّ أكثر من ذكر الموت ، وذكر ما تهجم عليه ، وتفضي بعد الموت إليه ، حتّى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك . وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدّنيا إليها ، وتكالبهم عليها ، فقد نبّأك اللّه عنها ، ونعت هي لك عن نفسها ، وتكشّفت لك عن مساويها ، فإنّما أهلها كلاب عاوية ، وسباع ضارية ، يهرّ بعضها على بعض ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها . نعم معقّلة ، وأخرى مهملة ، قد أضلّت عقولها ، وركبت مجهولها . سروح عاهة بواد وعث ، ليس لها راع يقيمها ، ولا مسيم يسيمها . سلكت بهم الدّنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا في حيرتها ، وغرقوا في نعمتها ، واتّخذوها ربّا ، فلعبت بهم ولعبوا بها ، ونسوا ما وراءها . الترفق في الطلب رويدا يسفر الظّلام ، كأن قد وردت الأظعان ، يوشك من أسرع أن يلحق واعلم يا بنيّ أنّ من كانت مطيتّه الّليل والنّهار ، فإنهّ يسار به وإن كان واقفا ، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا . واعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ،