السيد عباس علي الموسوي

233

شرح نهج البلاغة

ثم نفى عنه أن يكون صالحا للحكم في هذه الأمور وأن مقامه ليس مقام الإنسان الذي يميز بين الفاضل والمفضول والحاكم والمحكوم وقد استبعد أكثر أن يكون للطلقاء وأبناءهم - وهم الذين وقعوا يوم فتح مكة في يد النبي أسرى فمنّ عليهم وأطلقهم - وقد كان معاوية منهم . . . استبعد بل نفى أن يكون لهم حق التمييز والتفاضل بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم ومنازلهم وتفاضلهم وتقديم بعضهم على بعض إذ لو حق ذلك لأحد لحق ذلك للمهاجرين أنفسهم دون من كان بعيدا عنهم لا يلتقي معهم في موقف أو هدف أو ساحة . . . ( هيهات لقد حنّ قدح ليس منها وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها إلا تربع أيها الإنسان على ظلعك وتعرف قصور ذرعك وتتأخر حيث أخرك القدر فما عليك غلبة المغلوب ولا ظفر الظافر ) بعد أن نفى عن معاوية أهلية الحكم بين المهاجرين ضرب له مثلين تصغيرا لقدره واحتقارا له فقال له : بعد ما ذهبت إليه من كونك أهلا للتحكيم . « لقد حنّ قدح ليس منها » وهو مثل يضرب للرجل يفتخر بقبيلة ليس هو منها أو يتمدح بما لا يوجد فيه وأصل المثل كما يقول الميداني في مجمعه : القدح أحد أقداح الميسر وإذا كان أحد القداح من غير جوهرة أخواته ثم أجاله المفيض خرج له صوت يخالف أصواتها يعرف به أنه ليس من جملة القداح . وكذلك استهان عليه السلام بمعاوية بالقول له : « وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها » أي ليس لك الحكم يا معاوية في هذا الأمر بل لهؤلاء القوم الحكم النافذ عليك فأنت عندما تعكس القضية تكون سفيها غير رشيد . ثم استفهمه تقريعا وتوبيخا ونبهه إلى وجوب الانكفاء على ذاته ويدع ما هو فيه فيحبس نفسه على عيبه ويقعد عن ذكر غيره فإن صاحب العيب لا يستطيع أن يعيب غيره ثم وبخه بقصر باعه أي لا يستطيع أن ينال شيئا من الفضائل وليس بمقدوره بلوغ ما بلغه الأولون وأيضا وبخه واستهان به وذكره أنه في ذيل القافلة ومن الطلقاء والصعاليك فعليه أن يحفظ موقعه فيهم ولا يتقدم إلى غيره مما لا يستحقه ثم فرّع على ذلك توبيخا له أيضا بأنه غريب عن المهاجرين وأجنبي عنهم فلا تنفعهم تقدمته لأحدهم وتأخيره الآخرين ويكون دخولك في المفاضلة فضولا بل سفها لأنك أجنبي غريب عن المهاجرين لا تضرك غلبة أحدهم وظفر الآخر . ( وإنك لذهّاب في التيه روّاغ عن القصد ألا ترى - غير مخبر لك ولكن بنعمة اللّه أحدث - أن قوما استشهدوا في سبيل اللّه تعالى من المهاجرين والأنصار ولكل فضل حتى