السيد عباس علي الموسوي

221

شرح نهج البلاغة

ما ظهر منها وخفي . . . ستنعقد المحكمة الإلهية ويكون هناك سؤال وجواب وثواب وعقاب فإن يعذّبكم بعد مخالفتكم له وعصيانكم وتمردكم فأنتم الظالمون لأنفسكم بمخالفته وإن يعفو فهو أهل الكرم والعفو والصفح عن كل ذنب . . . ( واعلموا عباد اللّه أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون ، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم وتيقنوا أنهم جيران اللّه غدا في آخرتهم لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من لذة ) هذا ترغيب للناس أن يقتدوا بالمتقين ويسيروا على منهاجهم وطريقة حياتهم فإنهم بعبارة موجزة نالوا حظهم من الدنيا وفازوا بسعادة الآخرة فجمعت لهم الدارين ونالوا الحسنيين شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا الطيبات ولبسوا أنعم الثياب وتزوجوا أجمل النساء وتمتعوا بخيرات الدنيا المحللة وتنعموا في القصور والدور ولم يتركوا أمرا مباحا إلا وفعلوه ونالوا لذتهم منه . وفي نفس الوقت لم يشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم فإن أهل الدنيا الذين قصروا نظرهم عليها فارتكبوا الحرام وسلبوا الأموال وهتكوا الأعراض وقتلوا الأنفس هؤلاء لم ينالوا الآخرة السعيدة التي كانت لأهل التقوى في الدنيا وإنما سيكون نصيبهم النار وعذاب الجبار بينما المتقون في منجاة من هذا المصير . . . إنهم افترقوا عن أهل الدنيا في الآخرة فأولئك إلى النار وهؤلاء إلى الجنة . . . ثم إنه عليه السلام ذكر وجوه مشاركة المتقين لأهل الدنيا فالمتقون سكنوا الدور والقصور كما سكنها أبناء الدنيا وأكلوا من الطيبات كأحسن ما أكل أبناء الدنيا فكل ما هو محلل لهم تناولوه وفي الحلال غنى وكفاية عن الحرام . . . وفي الحلال لذة تفوق لذات الحرام حتى لو قطعنا النظر عن الدين والشرع المبين . . . إنهم قد أخذوا حظهم ونصيبهم من الدنيا كما أخذ المترفون والمنعمون حظهم منها فإن هؤلاء لا تتسع بطونهم لأكثر من حاجتها وأولئك كذلك وكل منهما يملؤها بما يشتهي مع فارق أن المترف قد يطغى فيتناول الحرام بينما المتقي يتناول الحلال الطيب . . . فالمتقون أخذوا من الدنيا ما أخذه الجبابرة المتكبرون نعم قد زاد هؤلاء المتكبرون أنهم أخذوا الظلم والانحراف والمعصية والاستبداد وقتل الناس بينما الأتقياء أخذوا عبادة اللّه وتقواه وإعانة الناس وسد حاجاتهم . . . عاد الأتقياء إلى الآخرة بالزاد الكافي الذي يحتاجون إليه وعادوا بالتجارة الرابحة التي تاجروها في الدنيا مع اللّه من حيث طاعتهم له وجهادهم في سبيله بأنفسهم