السيد عباس علي الموسوي
22
شرح نهج البلاغة
( حتى فتر معلله وذهل ممرضه وتعايا أهله بصفة دائه وخرسوا عن جواب السائلين عنه وتنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه فقائل يقول : هو لما به وممن لهم إياب عافيته ومصبّر لهم على فقده يذكرهم أسى الماضين من قبله ) وهذه صورة متكاملة عن أهل المريض ومن حوله إذا اشتد مرضه وتطاولت علته فإن من كان يعللّه بالشفاء تفتّر همته وتقل ومن كان يقوم على تمريضه فيصف له الدواء ويعتني به وبغذائه يغفل عنه لأن طول المرض يخفّف من اهتمام الممرض والأهل حيث يدبّ إلى نفوسهم اليأس بالشفاء وإنما يكون الجد والنشاط وحسن التعلل والاهتمام بالمريض إنما يكون في أوائل حدوث المرض لأمل الشفاء منه وأما إذا امتد واستمر فيخفّ الاهتمام والاعتناء . ثم بيّن حال أهله وكيف يكتمون عنه الداء ولا يفصحون له عنه حتى لا ييأس وتشتد وطأة المرض عليه . وإذا سألهم أحد عنه أجاب بعضهم : هو لما به أي هو على ما هو عليه وقيل : إنه قد أشفى على الموت . وبعض آخر يطمعهم في عودة عافيته وصحته وأن حالته التي هو فيها تمر على كثيرين من المرضى فيشفون منها . وثالث : كأنه قد فرغ من وفاته فهو يبتدأ من الآن يذكر لمن سأل عنه فائدة الصبر وأجر الصابرين وأن في أجداده وأهله ومن تقدمه في هذا الطريق أسوة وأن كل حي سيرد هذا المورد وهكذا يسليهم ويعزيهم . ( فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا وترك الأحبة إذ عرض له عارض من غصصه فتحيرت نوافذ فطنته ويبست رطوبة لسانه فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده ودعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصام عنه من كبير كان يعظمّه أو صغير كان يرحمه ) بينما الأهل يتشاورون ويردون على أسئلة السائلين عنه وبينما هو في اللحظات الأخيرة من الدنيا يسرع نحو الموت حيث يفارق هذه الحياة ويدع الأحبة من الأهل والأولاد والأخلاء بينما هو كذلك إذ اعترض له في حلقه عارض أخذ بخناقه ألا وهو الموت وعندما حل ببدن هذا المخلوق تغيّرت أحواله وتبدلت أطواره وانقلبت أوضاعه فجودة ذكائه وقوة فكره قد تبددت فتحيرت ولم يعد يقدر على جمعها بل تبلدت وكسلت ويبست رطوبة لسانه فجف لعابه فلم يعد يتحرك ذلك اللسان الذلق الطلق . وأما الإجابة فكم من أسئلة بقيت ضائعة بدون جواب لأنه عجز عن الكلام وعيي عن رد الجواب .