السيد عباس علي الموسوي

208

شرح نهج البلاغة

لا شريك له . . . أراد أن يربطه باللهّ الواحد الأحد كي يعتمد عليه ولا يتوكل على سواه ويخشاه في كل حركاته ويراقبه في كل أعماله . ولا تروعن مسلما أي لا تخيفه أو تفزعه فإن إخافة المسلم حرام وهذا نهي له عما يفعله أعوان السلاطين وولاتهم الظالمين عندما يريدون من الرعية أمرا فإنهم يستعملون الترهيب والتخويف ظنا منهم أن ذلك يحفظ هيبة الحاكم وقوة شوكته . . . ولا تجتازن عليه كارها أي لا تمرن في أرض مسلم أو بساتينه إذا كان يكره مرورك بها لأن ذلك لا يجوز لحرمة دخول أرض المسلم بدون رضاه . . . ونهاه أن يأخذ أكثر من حق اللّه المفروض عليه . ( فإذا قدمت على الحي فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ثم أمض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم ) ما أروع هذه التعاليم وأجملها إنها تنّم عن عمق الشعور مع المسلمين وتحكي أدب المسلم مع المسلمين . . هذا الجابي للصدقات يجب أن يكون مؤدبا بأدب الإسلام وأخلاقياته ولا يجوز أبدا إذا كان موكلا من قبل السلطة أن يتخلى عن آدابه وأخلاقه . . . والإمام يأمره إنك إذا دخلت محلة قوم تقصدهم لجمع الصدقات فانزل على مائهم ومن عادة المياه أن تكون خارج المحلة والحي التي يقطنون ، فلا يدخل عليهم الحي مباشرة إذ لعلهم يكرهون للغريب أن يخالطهم ويقف على بعض أمورهم التي لا يرغبون كشفها واطلاع أحد عليها . . . ثم أمره أن ينزل على مائهم ويكون ذلك توطئة للدخول إلى حيهم ثم يمضي إليهم بهدوء ودعة وعلى رزانة ورضانة فإذا أصبح بينهم سلم عليهم بتحية الإسلام تحية كاملة تامة ليس مشوبة بالعبوس أو الشدة أو أي أمر آخر مقترن بها ينم عن التكبر والجبروت . . . ( ثم تقول ) عباد اللّه أرسلني إليكم ولي اللّه وخليفته لآخذ منكم حق اللّه في أموالكم فهل للهّ في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه فإن قال قائل : لا ، فلا تراجعه وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثرها له فإذا اتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلط عليه ولا عنيف به ولا تنفرنّ من بهيمة ولا تفزعنها ولا تسوءن صاحبها فيها ) بهذه الصيغة الطيبة والعبارة الندية الطرية التي تحمل العطف والرقة والحنان يتوجه جابي الصدقة إلى الناس . . عباد اللّه وما أجمله من نداء . . . إنه يردهم إلى اللّه الذي أعطاهم وخولهم هذا الخير . . . ارسلني ولي اللّه وخليفته الذي يتولى تنفيذ أمر اللّه لآخذ منكم