السيد عباس علي الموسوي

161

شرح نهج البلاغة

فيه عندما دخلوا إلا مستسلمين مكرهين خوف السيف أن يطالهم . . . وكأن هذا الكلام غمز في معاوية وطعن فيه إنه استبدل هذه الأمور بغيرها أو إنه لم يؤمن بها أبدا . ( وزعمت إنك جئت ثائرا بدم عثمان ولقد علمت حيث وقع دم عثمان فأطلبه من هناك أن كنت طالبا ) هذا بيان لبطلان دعوة معاوية وإنها دعوة كاذبة جاءت زورا وبهتانا حيث زعم معاوية أنه يطلب ثأر عثمان يريد أن يقتص من قتلته ويأخذ بثأره وأمره الإمام إنك إذا كنت صادقا وجادا في الطلب بدم عثمان فأطلبه ممن سفكه وأباحه وهو طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة بل ونفسك حيث كنت تستطيع نصره فلم تنصره وإنما تربصت به الدوائر ووقفت تراقب ما يجري حتى إذا قتل انقلبت تطلب بدمه كذبا . . إنك ترفع شعار الثأر لدم عثمان وتخفي وراءه أمرا عظيما وهو طلب الخلافة والوصول إليها وهكذا كان معاوية انتهازيا من الدرجة الأولى سنّ أبشع السنن وأقبحها على الاطلاق وأضحى مدرسة في هذا الحقل الانتهازي الفاسد . . . ( فكأني قد رأيتك تضج من الحرب إذا عضتك ضجيج الجمال بالأثقال وكأني بجماعتك تدعوني جزعا من الضرب المتتابع والقضاء الواقع ومصارع بعد مصارع إلى كتاب اللّه وهي كافرة جاحدة أو مبايعة حائدة ) وهذه إحدى إخبارات علي بالغيب وما إخباراته في ذلك إلا لكونه يستشرف الزمن ويطوي المستقبل ليحكي ما يجري فيه أو يقع في وقته . وهنا يخبر عليه السلام بما سينال معاوية من الذل نتيجة الحرب التي ستقع - وهي حرب صفين - حيث سيقع معاوية في مأزق كبير وصعب حينما تقع الحرب وسوف يتضور منها ويئن من ثقلها لشدتها وضراوتها كما تئن الجمال بالأحمال الثقيلة كناية عن ثقلها عليه وصعوبتها عنده ثم أخبر عما سيحدث مع جماعته من أهل الشام وعلى رأسهم عمرو بن العاص إنه أخبار بغيب مجهول قرأه الإمام بوضوح قال عنه ابن أبي الحديد كلمة جيدة قال : وأعلم أن قوله « وكأني بجماعتك يدعونني جزعا من السيف إلى كتاب اللّه » إما أن يكون فراسة نبوية صادقة وهذا عظيم وأما أن يكون إخبارا عن غيب مفصّل وهو أعظم وأعجب وعلى كلا الأمرين فهو غاية العجب . . . فهذا إخبار منه بما سيلحق أهل الشام من الشدة في الضرب والقتل المتتالي واحدا أثر واحد حتى يدعوهم ذلك إلى المكر والخديعة فيرفعوا كتاب اللّه كذبا وينادون بالتحكيم ظلما وهم فرقتان فرقة منافقة وقد عبّر عنها بالجاحدة الكافرة وأخرى ناكثة للبيعة وهي التي عدلت عن بيعته وأعلنت عليه الحرب مع معاوية . . .