السيد عباس علي الموسوي

152

شرح نهج البلاغة

جعفر في مواجهة وفد قريش . عرفت قريش بخبر هجرة المسلمين إلى الحبشة فهيأت وفدا من عبد اللّه بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وجهزتهما بهدايا شملت مع النجاشي ملك الحبشة جميع بطارقته ومن له مقام عنده وقد تكلم وفد قريش وأراد من النجاشي أن يفتك بهم أو يسلمهم إليهم فاستدعى عندها جعفرا وبعض المسلمين ودارت هذه المحاورة الرقيقة . قال النجاشي : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل . فتكلم جعفر فقال : أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيى ء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى اللّه لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وهكذا راح جعفر يعدّد محاسن ما جاء به النبي . وبعد أن استمع النجاشي إليه قال له : هل معك مما جاء به عن اللّه من شيء . فقال جعفر : نعم . فقال النجاشي : اقرأه عليّ فقرأ عليه صدرا من صورة « كهيعص » فبكى النجاشي ومن كان حوله وقال : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة فانطلقا فلا واللّه لا أسلمهم إليكما . . . لقد فشل وفد قريش في الوقيعة بالمسلمين ( 1 ) ولكن عمروا أراد أن يعيد الكرة فعاد في اليوم الثاني ليقول للنجاشي : إن المسلمين يقولون في المسيح قولا عظيما فاستدعاهم النجاشي فقال : ما ذا تقولون في عيسى بن مريم . فقال جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا - صلّى اللّه عليه وآله - يقول : هو عبد اللّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فعند ما سمع النجاشي ذلك ضرب بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال : واللّه ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود وبهذا استقر المسلمون وكان جعفر هو رائد الإسلام وحامل رسالته إلى تلك البلاد وقد أسلم النجاشي على يديه . . .

--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام .