السيد عباس علي الموسوي
94
شرح نهج البلاغة
وقد شبههم والحال هذه - إذا لم يتفقهوا في الدين ولم يعقلوا ما ورد عن رب العالمين - شبههم ببيض الأفاعي في الأعشاش يظن الظان أنه بيض القطا فلا يحل كسره لمن رآه بينما هو يخرج أفاعي فكذلك هؤلاء إذا أشبهوا جفاة الجاهلية لا يحل لأحد أذاهم وإهانتهم لحرمة ظاهر الإسلام عليهم وإن أهملوا وتركوا على ما هم عليه من الجهل وقلة الأدب خرجوا شياطين يؤذون الحق وأصحابه . . . ( افترقوا بعد ألفتهم وتشتتوا عن أصلهم فمنهم آخذ بغصن أينما مال مال معه ) . هذا إشارة إلى أصحابه وما يصيبهم من التشتت والتفرق عنه وعن أمثاله من الأئمة وكيف أن بعض الناس - وهم الشيعة - يتمسكون به ومن بعده بذريته يتحركون بأمرهم ويعملون بقولهم ولا يخرجون عن إرادتهم وقد افترق أصحابه فمنهم الخوارج ومنهم الشيعة بأصنافهم وتعدد عقائدهم . . . ( على أن اللّه تعالى سيجمعهم لشر يوم لبني أمية كما تجتمع قزع الخريف يؤلف اللّه بينهم ثم يجمعهم ركاما كركام السحاب ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين حيث لم تسلم عليه قارة ولم تثبت عليه أكمة ولم يرد سننه رص طود ولا حداب أرض ) بعد أن أخبر عليه السلام ما يصيب أصحابه والمسلمين من التشتت والافتراق زفّ البشرى بأن هذا الشتات سيلتقي ويجتمع ، ستجمعهم مظالم الأمويين ومآثمهم وما ينالهم منهم من قهر واعتداء إنه يوم من أشر الأيام على بني أمية يجتمع المسلمون فيه ويلتقون كما تجتمع الغيوم المتفرقة الموزعة في أيام الخريف ، يؤلف اللّه بينهم ويجمعهم ويوحد صفوفهم ويوحد كلمتهم ثم يفتح لهم أبواب الثورة التي يندفعون منها في وجه الأمويين وقد شبه ثورة المسلمين ضد الأمويين « كسيل الجنتين » حيث قصّ اللّه خبر ذلك بقوله : ( 1 ) لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . ثم وصف السيل بأنه لم يقف أمامه شيء : استولى على الجبال والمرتفعات ولم يوقفه مرتفع أو علو أو اتصال جبال وتلاصقها إشارة إلى أن سيل المسلمين وثورتهم لن يقف في وجهها أي قوة أموية بل ستجتث الجذور وتأتي على كل أموي دون رأفة ورحمة وقد كان الأمر كذلك فلم تستطع جيوش الأمويين أن تقف في وجه العباسيين بل طاردوهم حتى قضوا على آخر خلفائهم محمد بن مروان الملقب بالحمار . . .
--> ( 1 ) سورة سبأ ، آية - 15 - 16 .