السيد عباس علي الموسوي

42

شرح نهج البلاغة

( وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السلام فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشب وكان إدامه الجوع وسراجه بالليل القمر وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه ولا مال يلفته ولا طمع يذله ، دابته رجلاه وخادمه يداه ) وهذا عيسى بن مريم نبي اللّه وحاله مع الدنيا . . . إنها حالة الزاهدين فيها البعيدين عنها وهل هناك وصف يحيط بهذا النبي الكريم أو في مما وصفه به الإمام . . . إنه كان يجعل الحجر وسادته يضعه تحت رأسه فلا ريش نعام ولا قطن ملكي ولا وصف بلدي وأما لباسه فكان يلبس الخشن من الثياب فلا حرير ناعم وأما أكله فكان الجشب من الطعام أي القاسي طعام الفقراء والمساكين وليس طعام الطغاة والمترفين . . . وكان إدامه الجوع إما أن يفسر بأنه لم يكن ليشبع إذا أكل فجعل الجوع مخلوطا بالخبز كالإدام وإما لأن الأكل مع الجوع يلتذ به فيكون كأنه إدام . . . وعلى كل حال فلا إدام من لحم أو سمن أو عسل . . . وأما سراجه بالليل فلا كهرباء ولا شموع ولا إنارة حديثة بل ولا إنارة قديمة كما كان يومئذ يتعارفها الناس ، إنه لم يشغل نفسه بالسراج بل كان سراجه الذي يضيء له ويرى من خلاله ما يريد هو القمر في الليل . وأما في الشتاء فكان يستتر حيث تشرق الشمس وتغيب فلامكان له . وأما فاكهته فلا تفاح ولا عنب ولا تين ولا برتقال وريحانه ليس الورد ولا النعناع وغيره بل كانت فاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم . ثم نفى أن يكون له زوجة تضله وتصرفه عن طاعة اللّه كما هي نساء هذا العصر كما أنه لا ولد له إن مات يحزنه وإن عاش يعقه كما أنه ليس عنده مال يصرفه عن طاعة اللّه فلا صفقات تجارية تلهيه عن ذكر اللّه ، ولم يطمع بشيء من أموال الدنيا يذله ويخضع لمن هو في يديه رجاء التصدق عليه . دابته التي يتحرك عليها رجلاه فلا سيارات فخمة ولا مرافقة بالعشرات ولا طائرات خاصة كما هي حال المسؤولين اليوم يسلبون القرش من يد الفقير واللقمة من فمه ليقدموها إلى زبانيتهم ومن حولهم ممن يؤمن لهم الحماية أو الخدمة . . . وأما خادمه الذي يتولى شؤونه فهما يداه فليس هناك من يساعده على قضاء حاجته فلا طباخين ولا طهاة للطعام إنه يتولى شؤونه بيديه . . .