السيد عباس علي الموسوي
352
شرح نهج البلاغة
القرآن يرتّلونها ترتيلا . يخزّنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم . فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم . وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم ، وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم . وأمّا النّهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء . قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول : لقد خولطوا . ولقد خالطهم أمر عظيم لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير . فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون إذا زكّي أحد منهم خاف ممّا يقال له ، فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربّي أعلم بي منّي بنفسي اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون . فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين ، وحزما في لين ، وإيمانا في يقين ، وحرصا في علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى ، وخشوعا في عبادة ، وتجمّلا في فاقة ، وصبرا في شدّة ، وطلبا في حلال ، ونشاطا في هدى ، وتحرّجا عن طمع . يعمل الأعمال الصّالحة وهو على وجل . يمسي وهمهّ الشّكر ، ويصبح وهمهّ الذّكر . يبيت حذرا ويصبح فرحا ، حذرا لمّا حذّر من الغفلة ، وفرحا بما أصاب من الفضل والرّحمة . إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها