السيد عباس علي الموسوي
329
شرح نهج البلاغة
وتدابر النفوس وتخاذل الأيدي ) بعد أن أمرهم بالألفة أراد أن ينهاهم عن الفرقة وعواملها وما يسببها فقال لهم : اجتنبوا وابتعدوا عن كل أمر يهزمكم ويكسر وجودكم ويقضي عليكم . . . كل أمر يوهنكم ويحطمكم فاجتنبوا عنه وذكر بعض المفردات الموجبة لذلك وأهمها الأحقاد التي تعيش في الصدور والقلوب فإنها تشتت الجمع وتوزع الأهل فمن عاش الحقد عاش الشر وسار في طريق الفرقة . وكذلك من يقف من أخيه موقف العداء فإن هذه النفوس إذا تعادت افترقت وتمزقت . وكذلك عدم تكاتف الأيدي بل إذا تخاذلت الأيدي عن نصرة بعضها البعض سقطت وماتت وسهل القضاء عليها وأي مجتمع يعيش التفكك والانحلال لا يكتب له النجاح ولا النصر . . . ( وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء . ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء وأجهد العباد بلاء وأضيق أهل الدنيا حالا ) انظروا في أحوال من مضى من المؤمنين قبلكم وكيف كانت أحوالهم مع طغاة عصرهم وفراعنة مصرهم ، لقد كانوا في أصعب حالات الابتلاء والاختبار وأشدها عسرا وصعوبة . ألم يكونوا يحملون أثقل الأحمال وهو حمل مناصرة الحق والدفاع عنه وعن الأنبياء وهو حمل ثقيل يواجهون به الطواغيت والحكام الظلمة وكانوا مع ذلك ضعفاء لا يملكون قوة ولا سلطانا وكانوا في شدة شديدة وبلاء . . . ( اتخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب وجرعوهم المرار فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة لا يجدون حيلة في امتناع ولا سبيلا إلى دفاع ) وهذه واحدة من شدة الابتلاء وسوء الحال حيث اتخذتهم الفراعنة وهم الحكام والطغاة عبيدا لهم يمارسون عليهم سوء العذاب ويسقونهم المرارات وهي أنواع البلاء وأصنافه وفنونه كما قال تعالى في مقام المنة عليهم : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . . . . وهكذا استمرت حالهم في ذل وقهر وغلبة يحاولون في كل مرة أن يتخلصوا ولكنهم يعجزون وكلما أرادوا الدفاع عن أنفسهم والخروج من الضيق والعذاب الذي يعيشونه فلا يستطيعون ولا يقدرون ولكنهم كانوا يحاولون التخلص ويعملون له وبقوا على ذلك إلى أن جاءهم نصر من اللّه . . . ( حتى إذا رأى اللّه سبحانه جد الصبر منهم على الأذى في محبته والاحتمال للمكروه