السيد عباس علي الموسوي

32

شرح نهج البلاغة

كان يأكل بقلة الأرض ، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه ، لهزاله وتشذّب لحمه . داود وإن شئت ثلّثت بداوود - صلّى اللّه عليه وسلّم - صاحب المزامير ، وقارئ أهل الجنّة ، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، ويقول لجلسائه : أيّكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشّعير من ثمنها . عيسى وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السّلام ، فلقد كان يتوسّد الحجر ، ويلبس الخشن ، ويأكل الجشب ، وكان إدامه الجوع ، وسراجه باللّيل القمر ، وظلاله في الشّتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذلهّ ، دابتّه رجلاه ، وخادمه يداه . الرسول الأعظم فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر - صلّى اللّه عليه وآله - فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى ، وعزاء لمن تعزّى . وأحبّ العباد إلى اللّه المتأسّي بنبيهّ ، والمقتصّ لأثره . قضم الدّنيا قضما ، ولم يعرها طرفا . أهضم أهل الدّنيا كشحا ، وأخصمهم من الدّنيا بطنا ، عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها ، وعلم أنّ اللّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، وحقّر شيئا فحقرّه ، وصغّر شيئا فصغرّه . ولو لم يكن فينا إلّا حبّنا ما أبغض اللّه ورسوله ، وتعظيمنا ما صغّر اللّه ورسوله ، لكفى به شقاقا للهّ ، ومحادّة عن أمر اللّه . ولقد كان - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يأكل على