السيد عباس علي الموسوي
315
شرح نهج البلاغة
الشرح ( ألا ترون أن اللّه سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم صلوات اللّه عليه إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما ) لما كان التكليف كله من أجل تكامل هذا الإنسان وسموه كان لا بد فيه من علل وحكم مستوره على الإنسان يجهلها ولا يعرفها حتى تكون الطاعة خالصة لوجه اللّه وقد ننظر في بعض التكاليف فنجهل وجه الحكمة فيها وأعني بوجه الحكمة فيها أي ما تدل عليه بشخصها من حكمة وإن كانت القاعدة العامة تنطبق عليها وهي : أن كل تكليف وارءه حكمة يعملها اللّه ترجع بالفائدة على هذا الإنسان والحج بجملته مهما تفلسف المتفلسفون وأبرزوا من علل وحكم فإنها تقصر عن إعطاء شيء يريح القلب والضمير نعم انطلاقا من القاعدة العامة وإن اللّه هو الذي يعلم الحكمة في التشريع ولا يشرّع إلا لمصلحة هذا الإنسان نعرف أن الحج تكليف إلهي تعود منفعته لهذا الإنسان والإمام يؤشر إلى ذلك بقوله : « ألا ترون أن اللّه سبحانه وتعالى امتحن هذا الإنسان من آدم وإلى آخر يوم في الدنيا بأحجار لا تضر ولا تنفع لأنه النافع والضار هو اللّه ولا تبصر ولا تسمع حتى إذا قصدها الإنسان رأته وسمعت دعاءه هذه الأحجار الجماد جعلها اللّه بيته الحرام الذي جعله للناس قياما أي يقيمهم ويقويهم ويدعمهم في جميع أحوالهم المادية والمعنوية ، الدنيوية والأخروية ، فقيامهم الصحيح ونهضتهم الكبرى وارتفاع نجمهم وعلو شأنهم إنما يكون بهذا البيت المكون من هذه الأحجار . . . ( ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا وأقل نتائق الدنيا مدرا وأضيق بطون الأودية قطرا . بين جبال خشنة ورمال دمثة وعيون وشلة وقرى منقطعة لا يزكو بها خف ولا حافر ولا ظلف ) وهذا وصف لمكان البيت ومحله وإن اللّه وضع بيته الحرام المقدس المطهر بأوعر بقاع الأرض حجرا أي أصعب الحجارة وأغلظها في الأرض وأقل بلدان العالم ترابا ومدرا وأضيق الأودية حيث أن بيت اللّه في وادي مكة الضيق جدا . . . بين جبال غليظة ورمال طرية لا تصلح لزرع وتتعب السائرين عليها وأما الماء فهو قليل جدا وقرى تلك البلاد بعيدة لا تتصل ببعضها لبعدها ومشقة السفر إليها ثم أشار إلى أنه لا يسمن فيها بعير ولا فرس ولا شاة لأنه لا زرع فيها قال تعالى عن إبراهيم : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ فهي قاحلة لا ينمو فيها شيء ولا يسمن فيها حيوان . . .