السيد عباس علي الموسوي

305

شرح نهج البلاغة

بها لسمح لأنبيائه والمقرّبين من عباده ولكنه سبحانه جعلها مكروهة لهم بل أمرهم بالتواضع وقال لنبيه : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . ( فألصقوا بالأرض خدودهم وعفروا في التراب وجوههم وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين وكانوا قوما مستضعفين قد اختبرهم اللّه بالمخمصة وابتلاهم بالمجهدة وامتحنهم بالمخاوف ومخضهم بالمكاره ) لقد سار الأنبياء كما أمر اللّه وكانوا أكثر الناس تواضعا وقد عبر الإمام بأنهم ألصقوا بالأرض خدودهم وعفروا في التراب وجوههم كناية عن تواضعهم وعدم تكبرهم . وكذلك خفضوا أجنحتهم امتثالا لقول اللّه مخاطبا نبيه : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ثم وصفهم بما هم فيه : لقد كانوا قوما مستضعفين لم يتمتعوا بالدنيا وزينتها ولم يستعلوا على الناس لقد كانوا من الطبقة التي تعاني ظلم الراعي وجوره ولكنها فكرت في طريق الخلاص فكانت العناية الإلهية التي سددتهم في طريق الرسالة فأنقذوا بأمر اللّه شعوبهم وأممهم . واختبرهم اللّه بالجوع فموسى يدعو ربه بقوله : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ والنبي محمد قد شد حجر المجاعة على بطنه وهكذا نرى من سار على طريقهم يعيش باستمرار في حاجة وقد ورد عن أئمة أهل البيت قولهم : « من أحبنا أهل البيت فليلبس للفقر جلبابا . . . » . وابتلاهم أيضا بالمجهدة أي بالإتعاب والعذاب حيث يؤدون رسالتهم فكان الجفاة الغلاظ أصحاب الامتيازات وأهل السلطة والزعامة يواجهونهم بشتى أساليب التعذيب وفنونه ونظرة واحدة إلى سيرة رسول اللّه وما لاقاه من العنت من كفار قريش يكفي لصدق ذلك . وامتحنهم بالمخاوف فلذا هجروا الأوطان وتركوا الديار فموسى ترك مصر هاربا والنبي هاجر إلى المدينة والحسين ترك مكة وهكذا تكون تغيير المواقع من أجل المصلحة . . . وهكذا وقعوا في شدائد كثيرة زلزلتهم وهجرتهم وطهرتهم . ( فلا تعتبروا الرضى والسخط بالمال والولد جهلا بمواقع الفتنة والاختبار في موضع الغنى والاقتدار فقد قال سبحانه وتعالى : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ فإن اللّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم