السيد عباس علي الموسوي

294

شرح نهج البلاغة

وفرسان الكبر والجاهلية اجتمع هؤلاء وصدقوه فتابعوه في الانحراف . فالأنفة والحمية التي لا تستمد جذورها وحقيقتها من دين اللّه فهي حمية جاهلية وأما التعصب والميل مع الأهل والعشيرة فقد حاربها الإسلام وقال : « لا عصبية في الإسلام » . ( حتى إذا انقادت له الجامحة منكم واستحكمت الطماعية منه فيكم فنجمت الحال من السر الخفي إلى الأمر الجلي ) بقي الشيطان مسددا سهامه معرقا إليهم في النزع الشديد . . . إلى أن ذلت له وأطاعته الفئة التي كانت مستعصية عليه وعندها استقر الطمع واستحكم في نفسه لأنها تحققت أمنيته فظهر الحال من السر إلى العلن ومن القوة إلى الفعل لقد انكشفت الأمور وظهرت على حقيقتها فخالفتم أمر اللّه واتبعتم الشيطان . . . ( استفحل سلطانه عليكم ودلف بجنوده نحوكم فأقحموكم ولجأت الذل واحلوكم ورطات القتل وأوطؤوكم إثخان الجراحة ) بعد هذا الإغواء منه والاستجابة منكم له قوي جدا ونفذت قوته فيكم وتحققت إرادته في كل أمر يريده ولذا استنفر جنوده وتوجهّ نحوكم وجنوده الشهوات والأهواء والعصبيات فأدخلوكم بقوة مداخل الذل من معصية اللّه والابتعاد عن دينه وأنزلوكم منازل القتل وجعلوكم محل الجراحات الكثيرة ومركزا لها . . . ( طعنا في عيونكم وحزا في حلوقكم ودقا لمناخركم وقصدا لمقاتلكم وسوقا بخزائم القهر إلى النار المعدة لكم ) هذا التفصيل للجراحات التي أجملها قبل ذلك وقد جعل كل فعل يناسب موقعه جعل الطعن في العيون لقساوته وصعوبته وأن الشيطان حيث ألزم الفاسدين بالنظر إلى المحرمات فكأن ذلك طعنا في العيون . وكذلك حيث وسوس لهم أكل الحرام فكأن الجرعة من الخمر والمسكر والنجس تقطع الحلق لحرمتها ومعصية اللّه فيها وكذلك جعل الدق للمناخير حيث أذلهم في كل ما هو عزيز عندهم ونفيس ولقد قصد مقاتلهم بحيث لا ينجو من شره ومقتلته أحد وكذلك هو يجرهم بخزائمهم بالقوة والقهر والصغار إلى النار المهيأة لإقامتهم فيها . . . وقد يكون هذا من باب الحقيقة حيث جرهم إبليس إلى الفرقة والوهن والضعف فانتصر عليهم الأعداء معاوية وجماعته وكانت النتيجة ما ذكره عليه السلام من الطعن في العيون وحز الحلوق ودق المناخر وغيرها فإن معاوية عندما تسلم الأمر فعل كل ذلك . . . ( فأصبح أعظم في دينكم حرجا وأورى في دنياكم قدحا من الذين أصبحتم لهم مناصبين وعليهم متألبين ) أصبح الشيطان - بأفعاله المتقدمة - أضر عليكم في دنياكم