السيد عباس علي الموسوي
289
شرح نهج البلاغة
وما جرى عليه من الطرد والإبعاد درسا لهم وعبرة . . . إنه أسقط كل عمل عمله وأبطل كل عبادة قام بها ، فهذا العمل الممتد في عمق الزمن . . إنه عمل وجهد شديد كان يقوم به حتى عبد اللّه ستة آلاف سنة لا يدرى هل هي من سني الدنيا أم من سني الآخرة فهذه العبادة الضخمة أبطلها بتمرده على اللّه في ساعة واحدة رفض خلالها امتثال أمره والعمل بمقتضى حكمه ، . . . ستة آلاف سنة ضاعت عندما تمرد على اللّه . . . بأمر الهي واحد رفضه إبليس كشف حقيقة عبادته الكاذبة . . . لقد تبيّن من خلال هذا التمرد أنه لم يكن يعبد اللّه وإنما كان يعبد نفسه وهواه ويرتاح للعمل الذي يقوم به . . . وإلا لو كان يعبد اللّه حقا لإطاعة فيما أمر ولم يرفض الأمر . . . ( فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته كلا ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ) وهذا استفهام استنكاري على الذي يفعل فعل إبليس ثم تراوده نفسه بأن لا تلحقه اللعنة ولا يحبط عمله كما حبط عمل إبليس كلا وألف كلا فإذا تساوت المعصية والجرم تساوى العقاب وما كان للهّ سبحانه أبدا أن يدخل الجنة إنسانا يرتكب نفس المعصية التي أخرجت ملكا من الجنة واستحق بها الطرد . . . إن اللّه لم يكن ليخرج إبليس لأنه تمرد على اللّه ويدخل شخصا آخر تمرد على اللّه بنفس التمرد الإبليسي . . . ( إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد ) إذا تساوى الجرم تساوى العقاب سواء كان الجرم من أهل السماء أم من أهل الأرض لأن الكل مخلوق للهّ وعبد له فيجب أن يكون حكمه في الجميع واحد . ( وما بين اللّه وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمّه على العالمين ) اللّه رب الجميع . . . كل من في السماوات والأرض عبيد اللّه وليس بين أحد من الناس وبين اللّه قرابة كما أنه لم يأخذ أحد من اللّه عهدا أنه يتساهل معه ويلين له ، بل كل من هتك ما حرمه اللّه وتعدّى على ما هو ممنوع ومحرّم كان للهّ أن يأخذه واستحقت عليه اللعنة وسوء العذاب . . .