السيد عباس علي الموسوي
288
شرح نهج البلاغة
لقد نازع اللّه رداء العظمة والعلو وأراد أن يكون عزيزا بدون أن يعزه اللّه ولم يتواضع لأمر اللّه وكما أراد وهذه جرائم تستحق الطرد واللعنة . . . إن إبليس أراد أن يشارك اللّه العزة ويلبس ثوب العلو والكبرياء ويترك التذلل والخضوع للهّ فأذله اللّه وصغرّه . . . ( ألا ترون كيف صغرّه اللّه بتكبره ووضعه بترفعه فجعله في الدنيا مدحورا وأعد له في الآخرة سعيرا ) بيّن كيف أذله اللّه وصغره بتكبرّه . . إنه أراد العزة لنفسه والكبرياء عن غير طريق اللّه فأذله اللّه ووضعه فجعله في الدنيا مخذولا مهزوما حيث قال له اللّه : فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وقوله : قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً كما أعد له في الآخرة عذابا أليما إنه عذاب السعير كما قال تعالى : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ . ( ولو أراد اللّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ويبهر العقول رواؤه وطيب يأخذ الأنفاس عرفه لفعل ولو فعل لظلت له الأعناق خاضعة ولخفت البلوى فيه على الملائكة ولكن اللّه سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون تمييزا بالاختبار لهم ونفيا للاستكبار عنهم وإبعادا للخيلاء منهم ) باعتبار أن الخبيث احتج بأصله الناري وقال : « أنا خير منه - من آدم - خلقتني من نار وخلقته من طين » أراد الإمام أن يقول : لو أن اللّه أراد أن يجعل آدم من أطيب عنصر وأحسن شكل وأطيب ريح لفعل وهو القادر المطلق ولو فعل لأذعنت الكائنات له وخضعت الملائكة لصورته وتكوينه وخف الامتحان على الملائكة لأن النفوس إذا رغبت أمرا وأحبته سهل عليها ذلك فتقبلت ما يصدر منه ولأجله ، وتكون الطاعة ملائمة للنفس لا تجد ثقلا في القيام بها . . . ولكن اللّه أراد أن يحجب عن عباده بعض الأسرار ويمتحنهم بأوامر لا يعرفون خلفياتها وما وراءها يمتحنهم ليراهم هل ينفذوا ما أراد ويمتثلوا ما أمر . . . هل يكون الأمر الإلهي هو الداعي إلى القيام بالواجب أم هوى النفس ورغباتها وما تشتهي ، ولا شك أن العلة إذا كانت محجوبة وكان الأمر بخلاف هوى النفس كان الامتثال خالصا لوجه اللّه وتجسدت العبودية من الإنسان للهّ بكل أبعادها وأصولها وحقيقتها فإن من يعلم علة كل نهي وعلة كل أمر يصبح عبد العلل وعبد نفسه وأما من يطيع اللّه للهّ ويلتزم أمره فقط لأنه صاحب الأمر والنهي فهذا هو العبد الصادق في عبوديته . ( فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد وكان قد عبد اللّه ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة ) إبليس نموذج للعصيان والتمرد يجب أن ينظر إليه أصحاب العقول ويأخذوا فعله