السيد عباس علي الموسوي
287
شرح نهج البلاغة
2 - اختارهما لنفسه دون خلقه : فهما من صفات الذات ولا يجوز لأحد من خلقه أن يكونا فيه لعدم العز المطلق والكبرياء المطلق لغير اللّه . . . 3 - وجعلهما حمى وحرما على غيره واصطفاهما لجلاله : لقد منع غيره أن يقترب منهما كما أنه حرمهما على أحد من الناس إنه سبحانه اصطفاهما واختارهما لعظمته وعلو مقامه . ( وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده ) بعد أن جعل العز والكبرياء للهّ خاصة وسلبهما عن خلقه وحرمهما عليهم جعل لكل من أراد أن يتصف بهما اللعنة والطرد من الرحمة الإلهية لأن من أرادهما فكأنما يشارك اللّه صفاته واللّه لا يقبل الافتراء عليه ومشاركته في شيء من مختصات ذاته . . . ( ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سوَيَّتْهُُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلّا إِبْلِيسَ اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه وتعصب عليه لأصله ) امتحن اللّه الملائكة بالسجود لآدم وامتحانه لهم لم يكن لعدم علمه بما يصدر عنهم ولكن لتكون الحجة القاطعة على من عصى وتكون الحجة القاطعة لمن أطاع حتى يميز المطيع من العاصي والمتواضع من المتكبر . . . وحتى تنكشف الأوراق أمام الناس والخلائق فمن ناله العذاب فبسوء اختياره وتمرده ومن أدخل رحمة اللّه فبإطاعته والتزامه . . . ومن هنا امتحن اللّه الملائكة بالسجود لآدم وهو العالم بهم وبأفعالهم ، امتحنهم فسجدوا كلهم إلا إبليس فإنه أخذته الأنفة والكبرياء وتعصب لأصله فقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين بهذا المنطق الشيطاني احتج لنفسه وبرّر تمرده دون أن ينظر إلى أمر اللّه وأنه قد تكلف من قبله بالسجود لآدم . . . ( فعدو اللّه إمام المتعصبين وسلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبية ونازع اللّه رداء الجبرية وأدرع لباس التعزز وخلع قناع التذلل ) لقد سقط في الامتحان الإلهي وتمرد على أمر اللّه فهو عدو اللّه الذي رفض إطاعته . . . فعدو اللّه لتمرده إمام المتعصبين هو الذي شق الطريق وعلم الناس كيف يتعصبون لأهلهم وعشائرهم وذواتهم . . . إبليس هو إمام كل متعصب لأصله والمتقدم على كل مستكبر فهو السلف ومن بعده من المستكبرين الخلف وبئس الخلف والسلف وهو معلّم العصبية وأستاذها وواضع أسسها لأنه هو أول من تعصب وعلى أثره سار المتعصبون وأهل العصبيات .