السيد عباس علي الموسوي
266
شرح نهج البلاغة
في سبيل تبليغ الرسالة وإيصالها إلى الناس وقد جاهد أعداءه في سبيل الدين فحارب الأقربين والأبعدين من أجل إعزاز الدين ورفع رايته لم يؤثر عليه اجتماعهم على تكذيبه وقيامهم بإطفاء نور هدايته ، فقد اجتمعت قريش والتقت كلها على كلمة واحدة أرادت من خلالها التخلص من رسول اللّه والقضاء على دينه وما جاء به من أحكام وقضايا ولكن رسول اللّه بقي على إصراره ومسيرته يقول : « واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو تنفرد سالفتي » ولذا نجح النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بتصميمه وتسديد اللّه له واستطاع إن يقضي على الشرك والوثنية في فترة وجيزة من عمر الزمن . . . ( فاعتصموا بتقوى اللّه فإن لها حبلا وثيقا عروته ومعقلا منيعا ذروته ) أمرهم أن يلتزموا تقوى اللّه ويتحصنوا بها فإنها تحفظهم من السقوط في مهاوي الرذيلة : وتقوى اللّه لها حبل قوي متين وملجأ حريز لا يصل إلى أعلاه أحد وهذا يراد به الإسلام فإن من تمسك به نجا وفاز ولم يتعرض لعطب أو ردى . . . ( وبادروا الموت وغمراته وأمهدوا له قبل حلوله وأعدوا له قبل نزوله فإن الغاية القيامة وكفى بذلك واعظا لمن عقل ومعتبرا لمن جهل ) استعدوا للموت بتهيئة أجوائه وما يريحكم أثناءه وما بعده وإنما يكون ذلك بالأعمال الصالحة والقيام بالواجبات وترك المحرمات فإن شدائد الموت لا يخففها أو يزيلها إلّا صالح الأعمال من احترام الناس وكف الأذى عنهم وإعانتهم وصلة الرحم والعطف على الفقراء والمساكين وهكذا ولذا قال عليه السلام : « وأمهدوا له قبل حلوله سهلوا له الأمر ووطئوا الأكناف بعمل الصالحات وأعدوا له قبل نزوله وأنتم في دار الدنيا أقوياء أصحاء تملكون الحركة والقدرة ثم فرّع على ذلك بأن غاية الموت ونهايته هي القيامة ويوم الحساب فإن بعد الموت وقفة أمام اللّه للحساب وفي ذلك كفاية لمن كان له عقل واعتبار أن يهيى ء الزاد ليوم المعاد ويستعد للرحيل فإنه لن يعود إلى الدنيا أبدا . . . ( وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس وشدة الإبلاس وهول المطلع وروعات الفزع واختلاف الأضلاع واستكاك الأسماع وظلمة اللحد وخيفة الوعد وغم الضريح وردم الصفيح ) ذكر أن قبل يوم القيامة أهوال وفجائع وأمور عظيمة . . . إنّ بعد الموت إلى قيام الساعة فترة صعبه يذكر بعض ما يتخللها وما يمر على هذا الميت المسكين منها وهي : 1 - ضيق الأرماس أي ضيق القبور فإن هذا الإنسان الذي كانت لا تسعه الدنيا مع سعتها يتحول إلى قبر ضيق لا يتجاوز قامته إلا قليلا فأين القصور وأين الدور وأين الدنيا