السيد عباس علي الموسوي

262

شرح نهج البلاغة

في قرن . وكأنّها قد جاءت بأشراطها ، وأزفت بأفراطها ، ووقفت بكم على صراطها . وكأنّها قد أشرفت بزلازلها ، وأناخت بكلاكلها ، وانصرمت الدّنيا بأهلها ، وأخرجتهم من حضنها ، فكانت كيوم مضى ، أو شهر انقضى ، وصار جديدها رثّا ، وسمينها غثّا . في موقف ضنك المقام ، وأمور مشتبهة عظام ، ونار شديد كلبها ، عال لجبها ، ساطع لهبها ، متغيّظ زفيرها ، متأجّج سعيرها ، بعيد خمودها ، ذاك وقودها ، مخوف وعيدها ، عم قرارها ، مظلمة أقطارها ، حامية قدورها ، فظيعة أمورها . وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً . قد أمن العذاب ، وانقطع العتاب ، وزحزحوا عن النّار ، واطمأنّت بهم الدّار ، ورضوا المثوى والقرار . الّذين كانت أعمالهم في الدّنيا زاكية ، وأعينهم باكية ، وكان ليلهم في دنياهم نهارا ، تخشّعا واستغفارا ، وكان نهارهم ليلا ، توحّشا وانقطاعا . فجعل اللّه لهم الجنّة مآبا ، والجزاء ثوابا ، « وكانوا أحقّ بها وأهلها » في ملك دائم ، ونعيم قائم . فارعوا عباد اللّه ما برعايته يفوز فائزكم ، وبإضاعته يخسر مبطلكم . وبادروا آجالكم بأعمالكم ، فإنّكم مرتهنون بما أسلفتم ، ومدينون بما قدّمتم . وكأن قد نزل بكم المخوف ، فلا رجعة تنالون ، ولا عثرة تقالون . استعملنا اللّه وإيّاكم بطاعته وطاعة رسوله ، وعفا عنّا وعنكم بفضل رحمته . الزموا الأرض ، واصبروا على البلاء . ولا تحرّكوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم ، ولا تستعجلوا بما لم يعجلّه اللّه لكم . فإنهّ من مات منكم