السيد عباس علي الموسوي

249

شرح نهج البلاغة

وقالوا : إن قوله : « ما أطول هذا العناء وأبعد هذا الرجاء » هو من إخبار الإمام بطول التعب ومشقة انتظار الفرج وقالوا : إن هذا من باب التوبيخ لهم لإعراضهم عنه وإقبالهم على الدنيا وإتعابهم أنفسهم في طلبها والتنفير لهم عنها بذكر طول العناء في طلبها وبعد الرجاء لما يرجى منها وترتب على ذلك أن يكون هذا كلاما منفصلا مستقلا عما سبق . . . ( أيها الناس ألقوا هذه الأزمة التي تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم ولا تصدّعوا على سلطانكم فتذموا غبّ فعالكم ) أمرهم أن يتخلوا عن الآراء الفاسدة التي تسبب الأوزار والآثام ولا يخوضوا فيها لأن تبعاتها ذنوب ومعاصي قادتهم إلى حمل أثقال الخطايا . ثم أردف ذلك بالنهي لهم عن التفرّق عنه وعبّر عن نفسه بسلطانكم لأنه الحاكم باسمهم ترغيبا لهم . وبعد هذا نفّرهم عن التفرق عنه بذكر ما يعقبه من الأمور المذمومة بأن نتيجة هذه الفرقة والاختلاف يصيبهم الذل والخوف بعد أن كانوا أعزاء أقوياء وينتقل عنهم الحكم بعد أن كانوا حكاما وهكذا ينتقلون من كل حالة كريمة إلى حالة ذليلة وهذه نتيجة تفرقهم عن قيادتهم وعدم التزام أمرها ونهيها . . . ( ولا تقتحموا ما استقبلتم من فور نار الفتنة ) إذا شبت الفتن واستعر نارها فلا تدخلوا فيها ولا تخوضوا غمارها فإنها تضل فيها عقول الرجال . ( وأميطوا عن سننها وخلوا قصد السبيل لها فقد لعمري يهلك في لهبها المؤمن ويسلم فيها غير المسلم ) أمرهم أن يتنحوا عن طرق الفتنة التي تتحرك فيها وعن المراكز التي تعشعش في أرجائها وليتركوها في طريقها التي تعيش فيها وتتحرك في زواياها وقطعا هذا إذا لم يقدروا على دفعها أو يستطيعوا وقف زحفها وإلا فعلى المسلم أن يقبر الفتنة ويقضي عليها إن استطاع . . . ثم أقسم أنه إذا وقف المؤمن في طريقها أكلته وقضت عليه بينما غير المسلم يسلم من أذاها وشرها لأن المؤمن لا يرضى بها بل يحاربها ويحارب أهلها بينما الآخر يسألمها ويمشي في ركاب أهلها فيسلم الكافر ويهلك المؤمن ومن هنا نهى الإمام المؤمن أن يقف في وجهها لشدتها وقوتها . . . ( إنما مثلي بينكم كمثل السراج في الظلمة يستضيء به من ولجها فاسمعوا أيها