السيد عباس علي الموسوي

242

شرح نهج البلاغة

يماثله ولا نظير له في الخلق أو في أصل الوجود حتى يساويه . . . ( هو المفني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها ) فاللهّ يعدم الدنيا ويزيلها بعد أن وجدت حتى يعود ما هو موجود الآن بحكم العدم بل يرجع معدوما لا عين منه ولا أثر . ( وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها ) وكأن هناك من يستبعد قدرة اللّه على إفناء الدنيا وزوالها فأجابهم عليه السلام أن ابتداع الدنيا وخلقها من لا شيء أعجب وأشد غرابة من إعدامها بل إيجادها وإعدامها وكل ما يجري عليها أو فيها كل ذلك تحت قدرة اللّه في مستوى واحد لا يعجزه شيء . ( وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها وأصناف أسناخها وأجناسها ومتبلدة أممها وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ) استفهم متعجبا ومقررا أن خلق الأشياء أعظم من إفنائها وإعدامها ودليل ذلك أنه لو اجتمع جميع مخلوقات اللّه من الحيوان والطير والبهائم وما كان مستقرا أو راحلا والبليد والذكي وما كان من جنسها وأصلها وعقلائها لو اجتمعوا جميعا على خلق بعوضة ما قدروا ولا استطاعوا فإن أصل الوجود من اللّه نعم تقدر على التلاعب بالنطفة ولكن لا تقدر على صنع أصل النطفة قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ . . . . ( ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت وعجزت قواها وتناهت ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنها مقهورة مقرة بالعجز عن إنشائها مذعنة بالضعف عن إفنائها ) فإن العقول تتحير في صنع البعوضة على صغرها إذ تأخذ شكل الفيل بزيادة الجناحين والعقول عجزت عن إدراك سر ذلك وعظمته ، فهذه العقول بعمقها وحصافتها ودقتها ورقتها لم تصل إلى عمق هذا المخلوق وأسرار تكوينه فعادت مقرة بالعجر معترفة بالفشل لا تقدر على الخلق كما لا تقدر على الإفناء فسبحان من بيده الأمور وهو على كل شيء قدير . . . ( وإن اللّه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولامكان ولا حين ولا زمان عدمت عند ذلك الآجال والأوقات وزالت السنون والساعات فلا شيء إلا اللّه الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور ) كان اللّه ولم يكن معه شيء متفرد واحد أحد وكذلك يكون بعد فناء الدنيا وزوالها كما كان قبل ابتدائها ترتفع الأوقات لأنها نتيجة دور الفلك وتفنى الأفلاك ولا يعود هناك زمان أو