السيد عباس علي الموسوي
225
شرح نهج البلاغة
السمع الخفي الذي لا تراه العيون أو الذي يسمع خفي الأصوات وفتح لها الفم السوي أي المستوي الذي يناسبها لمعاشها . وجعل لها الحس القوي : فهي تملك حسا تدرك به موارد العطب والخطر نظرا قويا وسمعا قويا أو إنها تملك حذقا قويا في تحصيل معاشها وقوتها . . . وإنه سبحانه جعل لها نابين بهما تقرض الزرع والخضرة ومنجلين بهما تقبص وهما الرجلان فإنهما كالمنجلين تقبضان على الشيء حتى تستمسك به جيدا . . . ( يرهبها الزرّاع في زرعهم ولا يستطيعون ذبّها ولو أجلبوا بجمعهم حتى ترد الحرث في نزواتها وتقضي منه شهواتها وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة ) هذه الجرادة الصغيرة على صغرها يخاف منها المزارعون ويحسبون لها ألف حساب ولا يقدرون على دفعها عن زرعهم وغلاتهم لو اجتمعوا كلهم واتفقت كلمتهم على القضاء عليها ، إنها تحط قهرا عنهم في زرعهم وتبقى تقفز من هناك إلى هناك ومن عرق أخضر إلى آخر تأكل وتفسد حتى تنهي الزرع إنها لا تبلغ مقدار أصبع صغيرة دقيقة ومع ذلك لها هذا الفعل الكبير . . . ( فتبارك اللّه الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها ويعفر له خدا ووجها ويلقى إليه بالطاعة سلما وضعفا ويعطي له القياد رهبة وخوفا ) بعد أن ذكر الجرادة وأثرها وفعلها العظيم الذي منه يخاف الزراع وأشار إلى أنها تبلغ الأصبع في الحجم استحق ذلك تعظيم اللّه وتنزيهه أو التعجب من هذا المخلوق الصغير ثم وصف اللّه بأنه يسجد له من في السماوات والأرض من مخلوقات وكائنات اختيارا من العارفين واضطرارا من الجاهلين وبمعنى اخر يسجد له تكوينا لوقوع الجميع في ذل الحاجة والإمكان قال تعالى : وَللِهِّ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً . . . . وله تذّل الوجوه والنفوس وقد عبّر عنه بتعفير الخد والوجه بالتراب أي تمريغها فيه كناية عن خضوعها وذلها للهّ وكذا من في السماء والأرض يكون تحت قدرة اللّه مستسلما ضعيفا ويعطيه القياد ويسلمه زمام أمره خوفا منه وفزعا من سلطانه . . . ( فالطير مسخرة لأمره أحصى عدد الريش منها والنفس وأرسى قوائمها على الندى واليبس وقدّر أقواتها وأحصى أجناسها فهذا غراب وهذا عقاب وهذا حمام وهذا نعام دعا كل طائر باسمه وكفل له برزقه وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها وعدّد قسمها فبل الأرض بعد جفوفها وأخرج نبتها بعد جدوبها ) وباعتبار إنه في مقام ذكر مخلوقات اللّه فذكر الطير على اختلاف أصنافه وقال إنها مسخرة لأمره كما قال تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى