السيد عباس علي الموسوي

224

شرح نهج البلاغة

اللّه هو الخالق . هذا دعاء بالهلاك على أولئك الذين أنكروا وجود اللّه الخالق وجحدوا مدّبر الكون وما فيه فزعموا أنهم كالنبات الخارج في الصحراء أو في رؤوس الجبال لم يزرعه زارع فهو يخرج بنفسه ثم يتلف ويموت فهم مثل ذلك يأتون الحياة ثم يغادرونها فلم يخلقهم خالق ولم يصنعهم صانع وقد قصّ اللّه خبر بعضهم - وهم الدهريون - قال تعالى حكاية عنهم ( 1 ) : وَقالُوا ما هِيَ إِلّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ . . . فزعموا أنهم بدون خالق ولا لاختلاف صورهم من أبيض إلى أسود إلى أسمر إلى أصفر فهذه كلها لم تكشف لهم عن وجود صانع خالق فلهم الويل مما زعموا ولهم الويل مما ادعوا ثم بيّنّ إنهم ينساقون وراء ما ورثوه عن الآباء والأجداد وأخذوا عقائدهم دون فكر أو نظر لأنهم لم يقدموا على ما ادعوا دليلا أو برهانا يثبت ذلك ولم يبحثوا أو يدققوا فيما ذهبوا إليه وقالوا به فتكون مجرد دعوة باطلة . . . ثم رد عليهم وبيّن لهم خطأ ما يزعمون وقدّم الدليل على أنهم عبيد مخلوقون للهّ وذلك بدليل العلة والمعلول وإن الأثر يكشف عن المؤثر فإذا وجدت خطا دل ذلك على وجود خطاط قام بذلك وإذا وجدت بناء وعمارة دل ذلك على وجود بناء وعمار وإذا وجدت القتيل لا بد وإن تكشف إن هناك قاتلا قد ارتكب الجريمة وهذا القانون ، قانون العلة والمعلول فطري تدركه العقول وتؤمن به ، فمن سمع صوتا علم أن هناك من يصّوت ومن علم باثر دله ذلك على وجود مؤثر وقد استدل البدوي ببساطته على هذا القانون عندما قال : « البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام يدل على المسير أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج أفلا يدلان على اللطيف الخبير . . . » وقد استطاع هذا البدوي أن يتحدى بعقله الفطري الصافي أعظم الفلاسفة الذين أنكروا مبدأ العلية أو شككوا فيه . . . ( وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراويين وأسرج لها حدقتين قمراوين وجعل لها السمع الخفي وفتح لها الفم السوي وجعل لها الحس القوي ونابين بهما تقرض ومنجلين بهما تقبض ) وهذا أمر آخر يذكره الإمام يدلل فيه على وجود الصانع الحكيم وهي الجرادة ويقول إن شئت أن تقول فيها ما قلت في النملة من عجيب الصنع ودقته وإنها تدل على موجدها وخالقها تستطيع ذلك ثم نبهّ على بعض تركيبها وخصوصياتها : فقد خلق لها العينين الحمراوين مع كون حدقتهما قمراوين وجعل لها

--> ( 1 ) سورة الجاثية ، آية - 45 .