السيد عباس علي الموسوي

222

شرح نهج البلاغة

ثم ذكر النملة على صغر جثتها وأمر أن ينظر الناس إليها بدقة ويفكروا في عظيم تكوينها وتركيبها ابتداء من صغر حجمها ولطافة هيئتها وكيف لا تنال بلحظ البصر بحيث يعجز الإنسان عن وصف دقائقها وإدراك حقائقها . . . ثم ذكر من عجائبها كيف تتحرك على الأرض بدقة وكيف تستغرق في طلب رزقها لا تكل ولا تمل بل هي مستمرة جادة في طلبها أنّي وجد ولو في رؤوس الجبال أو في قعر الوديان تنقل الحبة إلى جحرها وتعدها في مستقرها تنقلها إلى بيتها حيث محل إقامتها واستقرارها تسعى في أيام الصيف حيث الخيرات متوفرة إلى أيام الشتاء حيث البرد وتعذر الخروج من جحرها تجمع في أيام حركتها ونشاطها لأيام عجزها وفقدان قدرتها فهي تتحرك في الصيف لرفع الموانع أمامها وتنزوي في بيوتها في الشتاء للعوائق التي تمنعها من الحركة . . . ثم ذكر أنها متكفلة برزقها تطلبه وتتعب في تحصيله كما يوافقها ويلائم طبيعتها فهي تختار ما تنتفع به وتستفيد منه فسبحان اللّه الكثير العطاء الذي لا ينسى النملة أو يغفل عنها فإنه خلقها ورزقها وسبحانه الذي لا يحرمها حقها في الرزق والعيش فإنه سبحانه المجازي كل نفس بما عملت والمعطي لها ما تستحق من الجزاء . وكيف كان أراد بيان إنه يرزقها ولا يمنعها حقها لو كانت في الحجر الأملس الذي لا ينبت عليه عشب ولا يستقر عليه ماء فإنه سبحانه يرزقها وإن كانت فيه وكذلك لو كانت في الحجر الجامد فإنه يوصل رزقها إليها ويتكفل لها به . ( ولو فكّرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجبا ولقيت من وصفها تعبا ، فتعالى الذي أقامها على قوائمها وبناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر ولم يعنه على خلقها قادر ) نبهّ عليه السلام على مجال آخر للاعتبار والتفكر في النملة وإنه لو فكرت ونظرت إلى أمعائها التي يجري فيها الطعام كم هي دقيقة ورقيقة بحيث إذا كانت هي نفسها لا ترى فكيف بجزء منها وكذلك إذا نظرت إلى علوها الذي هو الرأس وما فيه من عينين وأذنين ، أين هما وكيف تبصر بهما أو تسمع وأنظر إلى سفلها وما فيه من بطنها وأمعائها والأضلاع وأطراف الأضلاع التي تبلغ في الدقة مبلغا متناهيا لا يقدر المرء على رؤيتها لو فكرت في كل ذلك لحكمت بعجيب خلقها وإنها من مخلوقات اللّه العجيبة وإذا أردت وصفها لقيت تعبا فتعالى اللّه الذي أقامها على قوائمها الرفيعة وجعلها تتحرك وتمشي طلبا لرزقها وبناءها على دعائمها أي على أعضائها التي يقوم عليها بدنها محل الأعصاب والعظام . . .