السيد عباس علي الموسوي
207
شرح نهج البلاغة
وربضت هناك فزعا وخوفا من ردعه لها وزجره . . . ( أيها اليفن الكبير الذي قد لهزه القتير كيف أنت إذا التحمت أطواق النار بعظام الأعناق ونشبت الجوامع حتى أكلت لحوم السواعد فاللهّ اللّه معشر العباد وأنتم سالمون في الصحة قبل السقم وفي الفسحة قبل الضيق ) توجهّ عليه السلام إلى كبير السن من الناس باعتباره قد ذهبت لذاته وعاد إلى رشده واقترب من الآخرة وصار أسمع للنصيحة وأشد قبولا لها من غيره مخاطبا له قائلا أيها الشيخ الكبير الطاعن في السن الذي قد لوّن المشيب شعره وغيّر سواده حتى خالطه المشيب ما حيلتك وأين قدرتك وكيف تستطيع خلاص حالك من النار ودركاتها إذا التفت حولك والتصقت بعظام عنقك كما قال تعالى : إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ . وكيف بك إذا نشبت الجوامع وهي السلاسل الحديدية التي يقيّد بها المجرمون يقيدون بأيديهم إلى أعناقهم ويؤخذوا بالنواصي والأقدام . ثم ناشدهم اللّه وأكد ذلك وحذرهم الغفلة ودعاهم إلى الانتباه والعمل في حال الصحة قبل المرض وفي حال السعة وامتداد العمر قبل ضيقه وقلته ونصيحة خبير مجرّب أدعو كل مؤمن ومسلم إلى أن يغتنم صحته فيقدم لنفسه ما ينجيها ويعمل في أول عمره كأنه يموت من ساعته فإنني وقد يشاركني هذا الشعور أغلب الناس إن لم يكن كلهم عندما أمرض أو أفتقر أو يمر عليّ يوم أقول يا ليتني قد عملت الخيرات قبل مرضي وفقري وليتني قدمت في اليوم الماضي ما أعجز عن القيام به اليوم . . . ( فاسعوا في فكاك رقابكم من قبل أن تغلق رهائنها اسهروا عيونكم وأضمروا بطونكم واستعملوا أقدامكم وأنفقوا أموالكم وخذوا من أجسادكم فجودوا بها على أنفسكم ولا تبخلوا بها عنها فقد قال اللّه سبحانه : إِنْ تَنْصُرُوا اللّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وقال تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فيَضُاعفِهَُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ فلم يستنصركم من ذل ولم يستقرضكم من قل ، استنصركم وله جنود السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم واستقرضكم وله خزائن السماوات والأرض وهو الغني الحميد وإنما أراد أن يبلوكم أيكم أحسن عملا ) دعوة إنسان ناصح شفيق لهذا الإنسان المغرور بالحياة وما فيها . . . دعوة إلى تحرير الأنفس من النار وعتقها من ذلها وعذابها . . . اسعوا واعملوا وجدوا واجتهدوا في عتق رقابكم وتحريرها من النار قبل أن تعجزوا عن فكها فإنكم إذا متم فاتكم الأمر وعجزتم عن فك هذه الرقبة المرتهنة بأعمالها والتي لم تعملوا لها . . .