السيد عباس علي الموسوي

205

شرح نهج البلاغة

اشتهت نفسه وينزله منزل الكرامة عنده في دار اصطنعها لنفسه ظلها عرشه ونورها بهجته وزوارها ملائكته ورفقاؤها رسله ) هذا ترغيب في التقوى وأن من اتقى اللّه يجعل له مخرجا من الفتن بحيث يرى الفتنة على حقيقتها فيجتنبها ولا يتورط فيها وذلك تسديد إلهي لأهل التقوى لأنهم يحذرون الوقوع في الحرام ويتجنبون كل إثم فلذا يبحثون عن الحقيقة ويوفقهم اللّه إليها قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . . . . ومن اتقى يجعل اللّه له نورا يهتدي به من الظلم فترتفع غشاوة الجهل عن القلوب فيرى الحقيقة كما هي هذا في الدنيا وأما في الآخرة فإنه يعيش حياة أبدية فيما اشتهت نفسه ورغبت فيه كما في قوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ . واللّه سبحانه ينزله منزل الكرامة وهي الجنة وأضافها لنفسه تشريفا لها وترغيبا فيها . ومن يصنع لنفسه شيئا لا بد من أن يتقنه فيكون كأحسن ما يكون هذه الجنة تحت ظل العرش أي عزيزة كريمة لا يضام سكانها ولا تنزل بهم نقم أو ألم . . . وفي هذه الجنة جمال وحسن ومسرة لا يعدلها مسرات الدنيا وما فيها لأن اللّه أعد هذه المسرات للمؤمن المتقي وكذلك من كرامة اللّه للمتقين أن جعل زوارهم الملائكة ورفقاؤهم الأنبياء قال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً . ( فبادروا المعاد وسابقوا الآجال فإن الناس يوشك أن ينقطع بهم الأمل ويرهقهم الأجل ويسد عنهم باب التوبة ) أسرعوا إلى العمل ليوم الحساب فإنه يوم رهيب يقدم الإنسان فيه ما كان يعمل في دار الدنيا وسابقوا الآجال أي انتصروا على آجالكم واغلبوها بأعمالكم قبل حلولها فإن الإنسان يتسابق مع نهاية عمره وهو لا يعلم متى ينتهي فيموت فيجب أن يسرع لإتمام ما يريد وإنجاز ما يعمل من الخير والاستكثار من الخيرات قبل حلوله . . . ثم قال : إن الناس يقترب منهم انقطاع أملهم إذا كبروا وعجزوا وتقدمت بهم السن ويفجأهم الموت المحتم على الإنسان وتقفل أبواب التوبة في وجوههم لعدم إمكانها في حقهم كمن يموت فجأة أو لعدم تحصيل شرائطها المفيدة لغفران الذنوب . . . ( فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرجعة من كان قبلكم ) أي يصبح حالكم حال