السيد عباس علي الموسوي

204

شرح نهج البلاغة

عَلَى اللّهِ رِزْقُها فهو الذي رزق الجنين وهو في رحم الأم يرزق الكبير وهو يتحرك في الأرض . . . كما أنه حثنا على الشكر حتى يزيد عطاؤه وأفضاله قال تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . . والشكر أن يضع المكلف النعمة في موضعها دون انحراف بها أو تجاوز لها عن مكانها . . . وافترض من ألسنتكم الذكر فالألسنة تعبّر عن القلب وتحكي عما في داخله من التعظيم والإجلال للهّ . . . ( وأوصاكم بالتقوى وجعلها منتهى رضاه وحاجته من خلقه ) أوصانا بالتقوى فقال تعالى : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ وجعلها منتهى رضاه لأنها تمثل أعلى درجات الطاعة والالتزام قال تعالى : بَلى مَنْ أَوْفى بعِهَدْهِِ ومن أحبه اللّه كان ممن رضي عنهم وأرضاهم . وجعلها حاجته من خلقه استعار لها لفظ الحاجة ليؤكد الطلب به وطلبه لها من أجل كمال الإنسان وسعادته دون أن يكون سبحانه بحاجة إلى الناس لأنه الغني المطلق عنهم وعن عبادتهم وتقواهم . . . ( فاتقوا اللّه الذي أنتم بعينه ونواصيكم بيده وتقلبكم في قبضته ) اتقوا اللّه الذي يراكم ويعلم حركاتكم وتصرفاتكم وهو قادر عليكم قاهر لكم متمكن من التصرف فيكم كيف يشاء يقدر على منعكم ولو شاء لفعل فأنتم في قبضته يتصرف فيكم كيف أراد . . . ( إن أسررتم علمه وإن أعلنتم كتبه قد وكلّ بذلك حفظة كراما لا يسقطون حقا ولا يثبتون باطلا ) فاللهّ يعلم أسرار الناس وما تخفى صدورهم قال تعالى : يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وقال تعالى : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فإَنِهَُّ . وإذا أعلن الإنسان أمرا وأذاعه كتبه اللّه عليه أوله ومن هنا يمكن أن يقال أنه لا يكتب ما يخفي الإنسان ولم يجهر به فمن نوى نية سيئة لا تكتب له سيئة نعم إذا أبداها بلسانه كتبتها الملائكة ثم أشار إلى الكتبة وصفاتهم أنهم أمناء يحفظون ما يكتبون كراما على ربهم ينقلون القضايا والأحداث كما هي فلا يسقطون من الكتابة حقا وجب على الجاني ولا يثبتون عليه أمرا باطلا لم يقم به أو يرتكبه وحاشاهم فهم بأمره يعملون وبطاعته ملتزمون . . . ( واعلموا أنه من يتق اللّه يجعل له مخرجا من الفتن ونورا من الظلم ويخلده فيما