السيد عباس علي الموسوي

189

شرح نهج البلاغة

( قد لبس للحكمة جنتها وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها وحاجته التي يسأل عنها ، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام وضرب بعسيب ذنبه وألصق الأرض بجرانه بقية من بقايا حجته خليفة من خلائف أبنائه ) اختلف شراح النهج في المراد من قوله « قد لبس » ولمن يرجع الضمير في الفعل وذلك إن الشريف قطع كلام الإمام ولم يذكر قبل هذا الكلام ما يرجع إليه هذا . وقد قالوا : إنه ولي اللّه في الأرض وهو مذهب الصوفيين . وقالوا : إنهم العلماء . . . وقال الفلاسفة : يريد بكلامه عليه السلام « العارف باللهّ » وقد قال الشيعة ووافقهم عليه في الجملة ابن أبي الحديد إنه يريد به الإمام المهدي المنتظر قال ما نصه : وليس يبعد عندي أن يريد به القائم من آل محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم في آخر الوقت . . . وقد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أن الدنيا والتكليف لا ينقضي إلا عليه . . . ومفاد كلامه عليه السلام : أن هذا الحكيم - الإمام - قد اتصف بمخافة اللّه سبحانه وتعالى التي هي بمنزلة الجنة للحكمة تحفظها وتدفع عنها ما يشينها وقد أخذ هذه الحكمة بجميع شؤونها وشجونها من الاقبال عليها بالاهتمام بها والمعرفة بها والتفرغ لتحصيلها فهي بالنسبة له كالضالة التي عادت لصاحبها يأنس لها ويرتاح ويفرح وهي حاجته التي يسأل أين هي ليحصل عليها فهو يفتش عنها ويطلبها ويسعى من أجلها . ومن خصوصيات هذا الإمام إنه يختفي ويغيب إذا اختفت أحكام الإسلام وتعطل العمل بها فهو يحمل هموم الدين ويزعجه أن يرى أحكامه معطلة وحدوده لا يعمل بها ووصف الإسلام يومها بأنه كالجمل البارك يضرب الأرض بذنبه ويلصق مقدم عنقه بالأرض فيمتنع عن التصرف والنهوض وهذا أخبار بما يلحق الإسلام من الضغط والقهر وما يمارسه الحكام الظلمة من تعطيل حدوده ورفع بنوده . . . ثم عاد إلى صفة الإمام ووصفه بأنه « بقية من بقايا حجته خليفة من خلائف أنبيائه » إنه حجة يحتج به اللّه على عباده وخليفة من خلفاء اللّه الذين يحملون رسالة اللّه ويؤدونها إلى عباده . . . ( أيها الناس إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أممهم وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا للهّ أنتم أتتوقعون إماما غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل ) أخذ عليه السلام في موعظتهم وتذكيرهم باللهّ ووبخهم لعدم طاعتهم للهّ من خلال عدم إطاعة أوامره . . .