السيد عباس علي الموسوي
183
شرح نهج البلاغة
( ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان ) ولو طرأ عليه نقصان أو زيادة لكان محلا للحوادث واللّه منزه عن ذلك لأن ذلك من صفات الممكن واللّه واجب الوجود الذي لا يطرأ عليه ما يطرأ على الممكنات . . . ( بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم ) لم تره العيون بل رأته القلوب . . رآه الفكر وأدرك وجوده . . . بهذا النظام الكوني البديع الذي وضع كل شيء موضعه ترى اللّه في إبداعه وخلقه . . ولينظر الإنسان إلى نفسه وإلى هذه الدقة المتناهية في أصغر أجزاء بدنه فإنه يرى النظام والتدبير ويرى الحكمة في أبدع صورها وأروع ما تكون . . . ( فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد قائمات بلا سند دعاهن فاجبن طائعات مذعنات غير متلئكات ولا مبطئات ولولا اقرارهن له بالربوبية واذعانهن بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه ولا مسكنا لملائكته ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه ) بعد أن ذكر إجمالا ظهور اللّه في مخلوقاته أشار إلى واحدة منها تفصيلا فذكر السماوات كشاهد على وجوده وعظمته وهذه السماوات خلقها اللّه محكمات ممهدات مثبتات في محلها على وفق النظام العام قال تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ . . . . ثم ذكر خلق هذه السماوات وإنها رفعت بغير عمد ترونها ولا سند يسندها عن الوقوع والسقوط قال تعالى : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها . . . . ثم ذكر أنه سبحانه بعد أن خلق السماوات دعاهن لطاعته وتلبية أمره فأجبن أمره بلسان الحال أي كن تحت أمره وتصرفه ووفق نظامه الذي أراده لم تخرج إحداهن عن مشيئته . . . استجابت له من غير تلكؤ ولا بطى ء كما قال تعالى : ( 1 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . . . . ثم ذكر أنه لولا أنهن أقررن بربوبية اللّه وخضوعهن له بالطاعة لما جعلهن موضعا لهذه الأمور الكريمة . . . لما جعلهن موضعا لعرشه بحيث منهن تنزل الأوامر الإلهية وينزل قضاء اللّه وقدره . وكذلك لم يجعلن - لولا ذلك - محلا لسكنى ملائكته ولا جعلهن محلا لصعود
--> ( 1 ) سورة الدخان ، آية - 11 .