السيد عباس علي الموسوي

176

شرح نهج البلاغة

ثم قال عليه السلام : أيّها النّاس ، إنّي قد بثثت لكم المواعظ الّتي وعظ الأنبياء بها أممهم ، وأدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم ، وأدّبتكم بسوطي فلم تستقيموا ، وحدوتكم بالزّواجر فلم تستوسقوا . للهّ أنتم أتتوقّعون إماما غيري يطأ بكم الطّريق ، ويرشدكم السّبيل . ألا إنهّ قد أدبر من الدّنيا ما كان مقبلا ، وأقبل منها ما كان مدبرا ، وأزمع التّرحال عباد اللّه الأخيار ، وباعوا قليلا من الدّنيا لا يبقى ، بكثير من الآخرة لا يفنى . ما ضرّ إخواننا الّذين سفكت دماؤهم - وهم بصفّين - ألّا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص ويشربون الرّنق قد - واللّه - لقوا اللّه فوفّاهم أجورهم ، وأحلّهم دار الأمن بعد خوفهم . أين إخواني الّذين ركبوا الطّريق ، ومضوا على الحقّ أين عمّار وأين ابن التّيّهان وأين ذو الشّهادتين وأين نظراؤهم من إخوانهم الّذين تعاقدوا على المنيّة ، وأبرد برءوسهم إلى الفجرة . قال : ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة ، فأطال البكاء ، ثم قال عليه السلام : أوهّ على إخواني الّذين تلوا القرآن فأحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنّة وأماتوا البدعة . دعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتبّعوه .