السيد عباس علي الموسوي
169
شرح نهج البلاغة
يصل إلى الرؤساء بينما أنا أعطيكم جميعا وتتفرقون عني ولا تسمعون كلامي . . . ثم أشار إلى أنهم لا يرضون منه بحال ولا يجمعهم أمر قط فإذا صدر منه أمر من حقه أن يجتمع عليه الناس لم يجتمعوا عليه كالعطاء فإن الزعماء والوجهاء كانوا يتمردون ويتذمرون ويشعرون بالغبن لمساواته لهم مع بقية الناس . وكذلك إذا صدر منه أمر يسخطون منه فإنهم أيضا لا يجتمعون كلهم على سخطهم له كما لو أمرهم بالحرب فلا يجمعهم رضا ولا يجمعهم سخط . . . ( وإن أحب ما أنا لاق إليّ الموت ) هذه هي نهاية الأحرار يتمنون أن يتجرعوا كأس المنية ولا يرون هذه الحثالات البشرية تتمرد عليهم أو لا تستجيب لهم فيما يحيهم ويعزّهم ويكرمهم . . إنه الموت أطيب وأحلى من العيش بين قوم لا يعرفون مصالحهم ولا يسعون وراءها ولا يستجيبون للرواد منهم الذين أدركوا الأمور على حقائقها وعلى وجهها الصحيح . . . ( قد دارستكم الكتاب وفاتحتكم الحجاج وعرفتكم ما أنكرتم وسوغتكم ما مججتم لو كان الأعمى يلحظ أو النائم يستيقظ ) هذا توبيخ لأصحابه وبيان أنه لم يقصر في حقهم فقد ابتدأ بكتاب اللّه فعلمهم إياه وأوضحه أمامهم وبينّ احكامه ومفاهيمه وما فيه من نور وهدى وكنوز ، وقد فتح امامهم باب الحوار وألزمهم بالحجج التي لم يستطيعوا أن يردوا عليها أو يجيبوا على واحدة منها ، وكل ما أنكروه عليه قد أوضحه لهم وبين وجهه وصحته وصحة ما يذهب إليه ، وكذلك كل الأمور التي كنتم لا تقبلون بها وترفضونها وتردون عليها قد بينها لكم حتى ظهر وجه الحق فيها ووجه الصواب في السير خلفها ولو كنتم عقلاء أصحاء لقبلتم ما أقول لكم . . ولكن أنّى للأعمى أن يبصر النور وأنّى للنائم أن يعرف ما يدور حوله . . . إنكم لا تنتفعون بكل المواعظ والارشادات ولن تفيدكم كل الوسائل والطرق لأنكم تسيرون وراء أهوائكم وخلف شهواتكم . . . ( وأقرب بقوم من الجهل باللهّ قائدهم معاوية ومؤدبهم ابن النابغة ) هذا ذم لأهل الشام وقيادتهم الفاسدة الضالة وإن من كان معاوية قائدهم ومسّير أمورهم وموجّه سياستهم ومن كان ابن النابغة مؤدبهم فليس هناك أشد منهم قربا من الجهل باللهّ والبعد عن ساحته والتنكر لأحكام دينه وعدوله عليه السلام عن ذكر اسم عمرو بن العاص صريحا إلى ذكر أمه وتسميته « ابن النابغة » كما هو المشهور إنما كان تحقيرا له وتذكيرا بخسته ودناءته لأن أم عمرو بن العاص معروفة إنها من البغايا ونسبه مطعون فيه كما يذكر ذلك أصحاب التواريخ وعلماء الأنساب . . .