السيد عباس علي الموسوي

160

شرح نهج البلاغة

إنها الدنيا لا تضن أو تبخل بمن نافس فيها وقاتل عليها ونازع في تحصيلها بل ترميه بسهام غدرها وتقضي عليه دون أن تحفظه من نوائبها فهو يبخل بها ويقاتل من أجلها وهي ترميه بمصائبها . ومن غلب الرجال على الدنيا وقهرهم واستولى على دولهم فإنها ستقهره وتنتصر عليه وتذيقه الموت . . . ( وأيم اللّه ما كان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها لأن اللّه ليس بظلام للعبيد ) أقسم عليه السلام أنه لم يكن قوم قط فيما مضى والآن وما سيأتي في نعمة ناعمة وعيش رغيد فزال عنهم ذلك إلا بذنوب فعلوها وارتكبوها فإن الذنوب تزيل النعم واللّه ليس بظلام للعبيد فهو لا يزيل نعمة عن قوم استحقوها وكانوا أهلا لها لأن ذلك يعد ظلما منه وحاشاه من الظلم إذن فهم بأيديهم أوجبوا زوالها لارتكابهم الذنوب وهذا قانون طبيعي وسنن كونية جعلها اللّه في الكون . . وهذا يدل على وجوب شكر النعم بوضعها في موضعها وعدم ارتكاب الحرام حتى لا يعرضها للزوال . ( ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ووله من قلوبهم لرد عليهم كل شارد وأصلح لهم كل فاسد ) بعد أن بين أن النعم تزول بالذنوب علّمهم كيف تعود إليهم وعودها يكون بالعودة إلى اللّه فحين تنزل العقوبات والقصاص وتزول النعم يفروا إلى اللّه وينقطعوا إليه بقلوب صافية طاهرة ونوايا كريمة نقية فإنه يرد عليهم ما ذهب من النعم ويصلح لهم ما فسد من أمورهم وما وقعوا فيه من فوضى واضطراب وسوء حال . . فإن عادوا إليه بصدق نية عاد عليهم بالعطاء والكرم . . . ( وإني لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندي غير محمودين ولئن رد عليكم أمركم إنكم لسعداء وما علي إلا الجهد ولو أشاء أن أقول لقلت : عفا اللّه عما سلف ) هذا تعريض بالمخاطبين لعلهم يلتفتوا إلى أنفسهم فيصلحوها اخشى عليكم وأخاف إن تكونوا في زمن جاهلية وأيام ضلال بحسب ما تتعصبون إليه وما تمشون خلفه من أهواء . . . ثم نبههم إلى بعض أخطائهم ولفت انظارهم إلى أنه كانت هناك أمور مضت انحرفتم فيها انحرافة لم تكونوا محمودين عندي وقال ابن أبي الحديد أن الأمور التي مالوا فيها عليه اختيارهم عثمان وعدولهم عنه يوم الشورى . . أقول ولكن الكلام مطلق فيشمل يوم السقيفة بدون شك ثم اغمض النظر عن ذلك ولئن رد عليكم أمركم ورجعتم