السيد عباس علي الموسوي

142

شرح نهج البلاغة

تنفيذها كما أنه سبحانه أوضح لنا ما يحبه من الأعمال من صلاة وصيام وحج وزكاة وإعانة للفقير وسد عوزه وخلته كما أنه سبحانه بيّن لنا ما يكرهه من كذب وغيبة ونميمة وفساد وضلال ودعانا إلى الأولى وأمرنا بها ونهانا عن الثانية وزجرنا عنها . . . ثم بين أن في التكليف شدة على النفس فنقل الحديث عن رسول اللّه وإن الجنة حفت بالمكارة لأن الجنة تتطلب الأعمال والقيام بالتكاليف المفروضة وهي أمور ثقيلة على النفس مكروهة لها تمنعها عن كثير من مشتهياتها ومحّابها بينما النار حفت بالشهوات لأن عدم التكليف خفيف على النفس ، ولا يكون هناك التزام أو تكليف وعدم التكليف خفيف وخصوصا أن النفس ترغب في الأمور الباطلة فتندفع وراءها وهي تورد أصحابها النار . . . ( واعلموا أنه ما من طاعة اللّه شيء إلا يأتي في كره وما من معصية اللّه شيء إلا يأتي في شهوة فرحم اللّه امرأ نزع عن شهوته وقمع هوى نفسه فإن هذه النفس أبعد شيء منزعا وإنها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى ) بين عليه السلام أن الطاعات تأتي عن كره بينما المعاصي تأتي عن شهوة وذلك لان الطاعة عمل والعمل فيه كلفة ومشقة فالنفس تجد ثقلا من القيام به كالصلاة والصيام والحج والطاعات الأخرى بينما المعاصي توافق الشهوات وفيها عدم العمل والفعل فالزنا يوافق شهوة الجنس وهي قوية ترغب في اللذة وترك الصلاة ترك لها وهي سهلة المئونة لا تكلّف من العمل شيئا وعلله بعضهم بقوله : لأن الإنسان ما لم يكن متردد الدواعي لا يصح التكليف وإنما تتردد الدواعي إذا أمر بما فيه مشقة أو نهي عما فيه لذة ومنفعة . ثم دعى بالرحمة لمن كفّ عن شهوته وتخلى عنها ولمن قهر هوى نفسه وتغلب عليه . وأشار إلى أن هذه النفس أبعد شيء مذهبا عن الحق والهدى وقيل كفا وانتهاء عن شهوة ومعصية . وعلى الأول يكون قوله « فإنها لا تزال تنزع في معصية تعليل له فإن النفس تميل وترغب إلى المعصية لانسجامها مع هوى النفس ورغبتها . . . ( واعلموا - عباد اللّه - أن المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده فلا يزال زاريا عليها ومستزيدا لها فكونوا كالسابقين قبلكم والماضين أمامكم قوضوا من الدنيا تقويض الراحل وطووها طي المنازل ) وهكذا يجب أن يكون المؤمن مع نفسه في كل أوقاته أن يكون متهما لها بالتقصير والعجز عن القيام بالواجب وإنها لا تقدر على أمر إلا