السيد عباس علي الموسوي

11

شرح نهج البلاغة

ثم قال عليه السلام : وبالدنيا تحرز الآخرة لأن الدنيا هي دار العمل وفيها يتم البيع والشراء فمن أحسن وأجاد فإلى الجنة ومن أساء وعصى فإلى النار . . . ثم بعد أن يموت الإنسان ويأتي يوم الحساب تقّرب الجنة من المتقين وتبرز الجحيم إلى الغاوين الذين ضلوا السبيل وهذا مأخوذ من قوله تعالى : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ( 1 ) . ثم ذكر أنه لا بد من القيامة ولا بد للإنسان من ورودها والوقوف للحساب فيها . إنهم يسرعون نحوها في مدة حياتهم في الدنيا قاصدين إلى الآخرة التي هي أقصى غاية الإنسان ونهاية شوطه . . . ( قد شخصوا من مستقر الأجداث وصاروا إلى مصائر الغايات لكل دار أهلها لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها ) الحديث عن أهل القبور فيصوّر حالهم يوم القيامة وأنهم قد خرجوا من قبورهم التي كانوا مستقرين بها وارتحلوا إلى البيوت الأبدية التي صاروا إليها بأعمالهم واختاروها بأيديهم فأهل الطاعة إلى الجنة وأهل المعصية إلى النار ولكل دار أهل لا يستبدلونها بغيرها أخف منها أو أحسن ولا ينقلون عنها إلى غيرها مما يرغبون ويطلبون بل هي لازمة لهم لا تنفك عنهم ولا تتخلى عن وجودهم . . . ( وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق اللّه سبحانه وأنهما لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق ) وهذه جملة من وصاياه يوصي بها المسلمين وابتدأ بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأوصى بإقامتها وقد رغب فيها بجعلها من صفات اللّه بل من أخلاق اللّه باعتبار أنه سبحانه أمر بالمعروف عندما شرّع العبادات وأعمال الخير وما ينفع الإنسان وطلب من الناس أن يقوموا بها فإنه سبحانه ما أمر إلا بمعروف وكذلك ما نهى إلا عن منكر فقد نهى عن الزنا والسرقة والقتل وغيرها من المنكرات ورفع عن طريق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عقبتين يمكن أن تكونا أهم العقبات المانعة وذلك أن هذا الواجب ربما ظن أن القيام به يؤدي إلى الموت أو إلى نقصان الرزق فيكفّ المسلم عن وعظ الظالمين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فردّ الإمام على فساد هذا الظن أو الوهم بأنه لن يقدم الموت المؤخر ولن ينقص الرزق الذي قدّر . ( وعليكم بكتاب اللّه « فإنه الحبل المتين والنور المبين » والشفاء النافع والري الناقع

--> ( 1 ) سورة الشعراء ، آية - 91 .