السيد عباس علي الموسوي
8
شرح نهج البلاغة
هذا الإنسان من كونه سيسعى ليصبح شخصية عظمى أو غنيا كبيرا أو مفكرا جليلا هذه الأماني قد أيقظتها تلك النذر التي وفدت على هذا الإنسان ووردت عليه فالموت يقطع الآمال ويوقف الأماني ويحطم العزائم . . . ( ودهمتكم مفظعات الأمور ) حلّت بكم شدائد الأمور عند الموت حيث الاحتضار وسكراته وعذابه وآلامه ثم ما بعده من عذاب القبر وأهوال يوم القيامة . . . ( والسياقة إلى الورد المورود فكل نفس معها سائق وشهيد سائق يسوقها إلى محشرها وشاهد يشهد عليها بعملها ) فبعد الموت يساق الإنسان سوقا إلى مكان وروده ومحط ركابه ألا وهو المحشر حيث يجمع اللّه الخلق للحساب وتأتي كل نفس معها سائق من الملائكة أو هو نفس العمل ومعها أيضا شهيد من الأنبياء الذين بلغوا الرسالة وأوصلوا الأمانة أو شهيد من أعمالها يشهد عليها إنها من أهل الجنة أو من أهل النار وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ . فأما إن كانت من أهل الإيمان فالسياق إلى الجنة كما قال تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ . وأما إن كانت من أهل التمرد والعصيان فإنها تساق إلى النار كما قال تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ . . . . . ( درجات متفاضلات ومنازل متفاوتات لا ينقطع نعيمها ولا يظعن مقيمها ) ثم إن الجنة درجات حسب اجتهاد الإنسان ونشاطه ومراتب مختلفة حسب عطاء الإنسان في الدنيا وجهاده ، هناك منازل الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء وهكذا تتنازل المراتب إلى أقلها وأصغرها وعلى كل حال فالنعيم لا ينقطع أو يزول كما هو حال نعيم الدنيا المعرّض للزوال والفناء ، والمقيم في الجنة لا يتحول عنها أو يرحل بل إقامة دائمة . . . ( ولا يهرم خالدها ولا يبأس ساكنها ) وهذه من خصوصيات الجنة وإن ساكنها والخالد فيها لا يهرم ولا يكبر بل يحتفظ بشبابه لا تصيبه شيخوخة أو ضعف . كما إن ساكنها لا يصيبه الشقاء والحزن والألم عكس دار الدنيا حيث تختلط لذاتها بالألم وحلاوتها بالمرارة ونعيمها بالبؤس . .